في كل المناسبات التي تصادفنا، ويشاء الله أن نعيش لنشهدها عاماً بعد عام، نلتفت إلى الوراء لنرى ما الذي حققناه بين المناسبة والمناسبة، وغالباً نكتشف أننا لم ننجز الكثير، ولم نتقدم إلا قليلاً، فيما عدا ماكينات البروباغاندا التي لا تهدأ ولا تني تعيد وتزيد بالطريقة ذاتها التي مضى عليها الأسلاف في وقت لم تكن لدى الناس إلا صحيفة واحدة، وشاشة واحدة، وإذاعة واحدة.. وعين واحدة أيضاً لا يراد لها إلا أن ترى ما يُملى عليها، ولكن هذا ليس هو موضوعنا، فإننا اليوم في حضرة يومنا الوطني، اليوم الذي تتزين فيه بلادنا بأجمل ما لديها. إنه الحب المبرَّأ من أية أغراض وأعراض غير المحبة الخالصة.
في النظر إلى الوراء، إلى العام الماضي، إلى الأعوام التي سبقته، سوف لن نرى إلا القليل من التقدم والكثير من العثرات، على المستوى السياسي المحلي لا نزال نقف حيث كنا، الضفتان على المبعدة نفسها، حجج الفرقاء هي ذاتها، والتاريخ الذي يُجتر لم يتبدل ولا يملُّ الناس من تكراره، ولكن كل من زوايته التي يراها تسع الدنيا، وهي ليست أوسع مما يراه. الحماقات موزعة بالتساوي، والحسنات الشحيحة أيضاً موزعة بالتساوي. والحوار الذي وُعدنا به لفحته الرياح الباردة في عزّ القيظ، فتجمّد في مكانه لا ينوي المغادرة. المولولون في وسائل الإعلام هم أنفسهم، ينفخون بأفواههم في الناس لتزيد اشتعالاً لأنهم يعلمون أن بانطفائها سوف يخسرون كل مكاسبهم التي راكموها في الأيام البائسة التي ادلهمّت فيها الخطوب. وسيخفت بريقهم، وهذا حال المتطرفين دوماً، فهم يقودون اللاعقل، واللامنطق، واللاقلب. فمتى ما عاد الناس إلى رشدهم، وتغلبت الحقائق على الأوهام، فلا مكان للناعقين، ولا أحد سيشتري بضاعتهم بعدما كانوا، قبل سنتين أو ثلاث فقط، يُخطب ودّهم، ويُتقرَّب إليهم، ويشترى رضاهم، لئلا يتوجه إليك القصف العشوائي بعدما يجري قصف وتدمير جميع الثوابت الوطنية، والقيم الإنسانية تحت الأقدام الرادحة المنتشية بالدمار.
إننا على أبواب سنة وطنية جديدة، تنتهي اليوم، وتبدأ اليوم أيضاً، فلتكن سنة “الحلم البحريني”، فليبدأ من بعدها هذا الحلم يترسخ ويتأكد.
- فليكن المواطن هو المواطن، بصرف النظر عن دينه ومذهبه ومولده وشكله وانتمائه السياسي والعقائدي وسلالته وقبيلته، وعلى هذا تجري معاملته عندما يكون أقربكم إلى الوطن أكثركم نفعاً له ولأبنائه، وليس لأي غرض آخر.
- فليكن الانتقاء من المصطفّين لأي تنافس على أي مقعد أو مركز كان على أساس الأفضلية وليس التفضيلية.
- ليكن المال العام حراما علينا، كحرمة أمهاتنا وآبائنا علينا.
- لتكن المحاسبة – على آلامها ومخازيها – عامّة على كل من يمسّ المصالح العامة، أيّاً كان.
- ليكن الحق واحدا، والباطل واحدا، لا أن يُفصّل لدى خيّاطين يفعلون ما يُؤمرون، والأسوأ من هذا أن يفعلوا دون أن يُؤمروا إلا من خلال المسافة الفارقة والفاصلة بينهم وبين الآخرين، وعلى هذا يحكمون، سواء ذلك في فصل دراسي أم في حقل وظيفي أم ما دون ذلك وفوقه، فالظلم البيّن والعمد ليس في الأرض ما هو أبشع منه، وأكثر حطّاً بكرامة الإنسان الظالم قبل المظلوم.
- ليكن عامنا البحريني الجديد عاما يزال فيه ما علق في الشوارع والمباني من أوشام بالغة القبح والسوء، تلك الكتابات على الجدران، والطمس، والكتابة والطمس، بشكل يجعل الرائي لها في حالة من الغثيان عندما يمرّ بها، فما بال من يعايشها ليل نهار، ومن غدا بيته حائطاً للكر والفر، ومبكى لمن لم يجد من البكاء بدّ.
- وليكن هذا العام – وقبل إزالة الكتابات - عام إزالة أسباب الكتابات، ومعرفة دقائق الأمور التي يهجس بها الناس ومنها يتبرّمون. فإن كانت حقاً أُدِّيت إليهم، وإلا بُيِّنَ لهم ما هو به يتوهّمون.
- فليكن هذا العام عام الجودة والإجادة في كل الأعمال صغيرها وكبيرها، وعدم التكاسل عن الوصول إلى منتهى الجودة في كل عمل نقوم به مهما تراءى لنا أنه هامشي ولا قيمة له، فمجرد أن يتمكن منا شعور الرضا عما نقدّم سيحيلنا هذا إلى تجويد عملنا كله، وهذا واحد من سلالم الرقي الذي نتحدث عنه ونرجوه.
- فلتكن في أواخر هذا العام انتخابات لمجالس أفضل مما مضت، بأعضاء يعون ما يفعلون، ويدركون جسامة التكليف الشعبي الذي وُضع في رقابهم.
- فليكن هذا العام، عام بناء منارات الثقافة البحرينية وتسويقها والتباهي بها، كالمسرح البحريني، والكتاب البحريني، والممثل البحريني، والدراما البحرينية، والأغنية البحرينية (أكرر “الأغنية البحرينية” وليست المتعلقة في تلابيب لهجات أخرى مع جمال تلك اللهجات)، وعاما لدعم وترويج السينما البحرينية، والفن التشكيلي البحريني، وجميع الفنون البصرية، والموسيقى البحرينية، وهذا ليس انكباباً على الداخل، لا تقوقعا بل القصد منه الدعم والمؤازرة.. إلى جانب الاستجلاب من الخارج وحسب.
- ليكن هذا العام عاما تنظف فيه الصحافة مما يسيئها، من جميع الأطراف التي تسيء وتظن أنها تحسن صنعاً، وما هي كذلك، فلقد شبع الناس وتشبّعوا من كل ما يحبطهم ويزيد قلوبهم اسوداداً على بعضهم.
إن الدروس التي نستقيها من الأمم الناجحة تتكثف في بؤرة قدرتها على التعايش ليس بشكل “التساكت” عن الأخطاء أو القول هكذا تجري الأمور في العادة، فلا عادة إلا ما عودنا أنفسنا عليه وما عدنا نفكر فيه أيضاً.
فليكن العام المقبل عام البحرين، ولو لمرة واحدة فقط.