عندما قرأت في اليومين الماضيين خبر تحويل أربع مدارس، هي الأقدم والأكثر تأثيراً والأبعد أثراً في التعليم في البحرين، إلى متاحف، انتابني شعوران متناقضان، الأول الفرح الغامر بهذه اللفتة، وإن أتت متأخرة شيئاً ما، خصوصاً مع امّحاء بعض الأشكال الأساسية لهذه المباني، وصعوبة عودة بعضها إلى ما كانت عليه، مع ألم خاص بإزالة الطابق الثاني لمدرسة الهداية الذي بني في خمسينات القرن الماضي، بسلّميه المتقابلين تعلوه الآية الكريمة {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ}.
فإن الأمم التي لا تهتم بتواريخها وتستسهل التوثيق، وتولي عليه من لا يريد المسؤولون أن يروهم أمامهم، إذ تصبح الأراشيف منافي الأشخاص المغضوب عليهم، والمنفيين والمبعدين والذين يجري في حقهم عقاب هو أقل من الفصل وإنهاء الخدمة؛ أيُّ خير سيكون فيها، أو يُرتجى منها، وغالبية من فيها ناقمون على الإدارة، يتبادلون معها الكره والرغبة في الانتقام والاقتصاص، بينما هذه الأراشيف هي الثروة التي تزداد غنى وقيمة كلما تقادم عليها الزمن، وكلما باتت تواريخها أبعد، لأنها تفصح عن الكثير من الأمور المتعلقة بطبائع التفكير في الأزمنة الماضية، وكيف تطور (أو ربما تدهور) التفكير مع مرور الزمن، والدروس المستفادة لمن أراد أن يستفيد ولا يعيد تكرار ما سبق وأن وقع فيه السابقون من أخطاء. لذا نرى أن الكنائس في الدول الأوروبية تحديداً لا تزال تحتفظ بمدوّنات، وربما يوميات أيضاً، يصل عمرها إلى بضعة قرون ماضية، كونها المكان الأكثر تعاطياً مع العلم والكتابة في تلكم الحقب، للأحداث والمواليد، بينما في البحرين هناك الكثير من الأشخاص الذين وُلدوا في الخمسينات وما قبلها من القرن الماضي لا يزالون لا يعرفون تحديداً تواريخ صيحتهم الأولى التي رافقت ولادتهم لأننا أمة شفاهية في الأغلب، والتدوين لدينا ليس له مكان ومحل في ثقافتنا الحاضرة.
ويمكننا أن نلحظ هذا الاهتمام الكبير محلياً للكتب التي تؤرّخ بجهد ودقّة الأحداث المحلية، وهذا الشغف الذي لا ينقطع ولا يتوقف في السؤال عن مجلتين أصدرتهما مدرسة الهداية الخليفية الثانوية للبنين في السنوات الأولى من عقد الثمانينات الماضي (1981 – 1982) واللتين تضمّان صوراً تاريخية للمدرسة وروادها، وطائفة كبيرة من المراسلات والشكاوى وجداول رواتب المعلمين وغيرها. ربما الحنين إلى الماضي هو واحد من أوجه هذا الاهتمام والشغف، ولكنه – في المقابل – ينبئ عن مسيرة هذه المدرسة وكيفية تعاطي الناس والمجتمع والدولة معها. والأمر نفسه ينطبق على المدارس الأخرى، ومستشفى الإرسالية الأميركية (المستشفى الأمريكي) المزيّنة جدرانه بصور قديمة ونادرة لهذا الصرح الطبي الذي أدّى أدواراً مهمة لا تزال تحتاج إلى المزيد من الدراسة والكشف منذ البعثات التبشيرية الأولى إلى يومنا الراهن.
هذا هو الجانب المفرح من المسألة، لأنه يعني الالتفات إلى بعض المنشئات، خصوصاً المدارس التي كانت عبارة عن بيوت مستأجرة، وذلك قبل أن تتحول إلى دكاكين تعلوها شقق، فتضيع ألوان الماضي منها وفيها، ولا يبقى منها إلا معلومات مدوّنة في كتب التاريخ المحلية.
أما الداعي إلى شيء من القنوط والكآبة، فيتمثل في كمّ ما ضاع من الوثائق، سواء في شأن المدارس والتربية والتعليم، أو الشأن العام. فيروي الدكتور عبدالحميد المحادين، ابن منطقة الكرك الأردنية، والذي أتى البحرين شاباً صغيراً مغامراً في العام 1961 ليعمل معلماً في الهداية وما غادرها أبداً إلا عندما نال الدكتوراه في وقت متأخر، أنه دخل المدرسة ذات يوم وإذا بشاحنة صغيرة تفيض بالملفات والأوراق، فسأل عما يجري، فقيل له أنها ملفات قديمة سيتم التخلص منها، شعر بالعجز عن عمل أي شيء، فامتدت يده إلى بعض الملفات القليلة استخلصها من بطن هذه الشاحنة، وأخذ يقلبها فإذا هو أمام ثروة تاريخية هائلة جداً، متسائلاً في مرارة عن كم المعلومات والتواريخ و”الدرر” التي نقلتها تلك الشاحنة ولا مجال لاستعادتها إذ لا توجد لها نسخ أو محفوظات في أماكن أخرى.
وإذا كان بالإمكان إيجاد بعض العذر لضياع جوانب مهمة من تاريخنا وسيرتنا بفعل الجهل (الجهل بأهمية ما يتم تضييعه)، فإن ما لا يمكن التسامح فيه وتجاهله هو المحو والتضييع المتعمّد لجزء مهم من هذا التاريخ، أو ما يمكن أن تُدرك أهميته لاحقاً.
فلقد تناهى إليّ أن إحدى المسؤولات في الدولة عندما علمتْ علم اليقين أنها ستغادر منصبها، ذهبت إلى أرشيف المؤسسة من دون رفقة أحد، ومكثت هناك بضع ساعات وعادت محمّلة بالأوراق والملفات التي لا أحد يعلم اليوم مصيرها، ولماذا لم تطلبها من الموظفين بدل أن تذهب بنفسها لتقوم بهذه المهمة! ماذا في تلك الأوراق والملفات؟ لا أحد يدري. وأقل من ذلك فإن إعفاء بعض المسؤولين في مواقع مختلفة من الدوائر الرسمية، وعلى اختلاف درجاتهم، يكون أحيانا مصحوباً بنشاط كبير في إعدام أوراق وملفات، إمّا بدافع الانتقام من المؤسسة والقرار الصادر منها، وإما لمحو آثار قد تدينهم أو تبيّن فشلهم في مهمتهم، أو ما لا نعلم من أمور، والنتيجة واحدة في كل الأحوال، وهي وجود ثقوب في شراع هذه السفينة تقلل من كفاءة إبحارها. فالرياح التي تملأ الأشرعة تأتي من الخلف (الماضي) لتدفعها إلى الأمام بقوة وفاعلية.
سيكون مهمّاً تدارك ما فات، مع وجود شذرات من هذا الماضي، ولكن أكثر أهمية أن يجري العمل على ألا يضيع أكثر من الحاضر إما جهلاً وإمّا تعمّداً، فالتاريخ ليس ملكاً فردياً، ولكنه ملك الأمة بأسرها.