إذا دار الحديث عن تأثير الإعلام على الناس والرأي العام، فإن الالتفات يكون نحو الامبراطوريات الإعلامية العالمية الضخمة التي تتجاوز إيراداتها موازنات دول نامية. لذا نجد أن البرامج التلفزيونية التي يشاهدها مئات الملايين عبر العالم لا تأتي من النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ولا كذلك الأفلام السينمائية، ولا المسلسلات الدرامية بأنواعها المختلفة. ربما وعى جيلي على مسلسل “دالاس” في أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات حيث كان العالم بأسره مشدودا لمتابعة فصوله الواحد تلو الآخر، وبعده أتت جملة من الأعمال الدرامية العالمية، وصولاً إلى البرنامج الحواري “أوبرا” الذي توقف أخيراً، والأطباء Doctors، ودكتور فِل، وغيرها من البرامج المعتمدة على حسن الإعداد والبحوث التي تجرى على المواد لتقديم الجديد والحصري في هذه البرامج والتأكد من أن هذه البرامج مصدر للمعلومات وليست ناقلة لها فقط، إضافة إلى حسن التقديم والطرافة والحضور الكبير والمهم.
إذا دار الحديث عن الأخبار ووكالات الأنباء، فإن المتحدث سيمتعض إذا ما تمت الإشارة إلى وكالة أنباء عربية بوصفها مصدراً للأخبار، نعم قد تنفرد وكالة عربية هنا أو هناك بسبق ذات مرة، ولكن هذا لا يصنع لها سمعة وثقة وطيدة بأن تتقدم لتصبح في مقدمة مصادر الأخبار العالمية لانفرادها بخبر أو خبرين في مسيرتها المهنية.
هذا الحديث فقط من أجل تشحيم وتعبئة المدافع التي يمكن أن تطلق من على الورق على الكم الكبير من الأعمال التي يصدف أن يراها المرء في التلفزيونات المكتظة في رمضان من كل عام، ورمضان هذا العام الذي هو ليس انفراداً ولا تفرداً عمّا سواه من مواسم سبقت وستلحق. إذ يمكن القول، وبكل تجرد، وبأقل الألفاظ قسوة، وبأبعد ما يمكن عن التجريح وبأقرب ما يمسّ الحقيقة: إنها أعمال – في مجملها - تربّي السفه والعته، وتجلب الكثير من القرف والاستقلاب خصوصاً بعد وجبة الفطور.
فهناك حلقات في برامج في محطتنا الفضائية ومحطات أخرى، يعجب المرء ويتساءل إن كان لها كاتب أو سيناريست أو حتى مخرج، إذ لا نصّ لها ولا هدف ولا بناء. يدّعي بعضها الخفة والكوميدية، وهذا أمر مشروع، بل ومطلوب في هذه الأجواء العابسة المكفهرّة، ولكننا لا نجد إلا قوالب يأنف الدهر اليوم أكلها لشدة عفنها، فقد تجاوزها شارلي شابلين في أفلامه غير الناطقة التي تعتمد على الحركة، وعلى الإيماءات الجسدية، والوقوع أثناء المشي، وغيرها من الحركات الفجّة، ومع ذلك، فإن أفلام شابلين تعد متقدمة على ما نراه اليوم من ممثلين يمثلون بليّ أفواههم، وبحلقة عيونهم، وادّعاء الغباء والخبل، في مواقف تريد أن تتعاطف معها، ومع نفسك أحياناً وتصنع ابتسامة على وجهك استعداداً فقط لموقف مضحك، فتنتهي الحلقة كما بدأت، وقت ضائع غير ممتع، مليء بالسخافات، حتى أن المرء يخجل من أجل هذا الطاقم، يشعر بالشفقة، يريد أن يتعاطف، ولكنه في كل الأحوال لا يمكن أن يلتمس العذر... فلا الممثلون من المبتدئين، ولا معظم الطواقم كذلك، هناك أناس قضوا في التمثيل عشرين أو ثلاثين عاماً أو ربما أكثر، ويقدمون اليوم ما لا يمكن أن يتناسب مع هذا العمر الفني الذي قضوه في البلاتوهات، وعلى خشبات المسارح، وبعضهم أيضاً وقف أمام كاميرات السينما.. هناك من كان تجريبياً ودافع بحماس في سنوات مضت عن المسرح التجريبي، وهناك من نظّر في الفن هابطه وراقيه، وعدد لا بأس به من هؤلاء هم من خريجي المعاهد الفنية المتخصصة، ولكن يبدو أن لغة التسطيح هي من غلب في نهاية المطاف، وصارت هي اللغة السائدة، وجرف السيئ بكثرته الجيد على ندرته.
عندما نرصد هذا الكم من الأعمال الرمضانية، ليس بقصد النقد الفني، فهذا ليس من اختصاص الكاتب، وهذه هي الزاوية المخصصة له، ولكننا نرصد – وبشكل عفوي بحت – عن مدى ما يُبذل من جهد في الكتابة في هذه المسلسلات وميثلاتها الأميركيات. هنا لا نتحدث عن التقنيات، ولا الجرافيك، ولا صور المعارك، ولا أصوات الانفجارات، ولكننا نتكلم عن “كتابة” السيناريوهات التي تضحكنا في مسلسلات “أجنبية” بيننا وبين مجتمعاتها بون شاسع في الثقافة والنفسية والحياة المعاشة هناك، وإدراك “النكتة” أو الطرفة التي هي عبارة عن مفارقة، وبين ما يُقرفنا في أعمال محلية أو خليجية أو حتى عربية أحياناً، في الطرائق المبتذلة لتقديم مجتمعاتنا على أن أفرادها جملة من المعتوهين و”المصفّعين”، وبخاصة في عدد من الأعمال البحرينية التي يتبارى فيها الممثلون في “مطّ” الكلمات بشكل مقزز، على أنها كوميديا!
ربما يغتاظ المشتركون في هذه الأعمال إن قرأوا ما تقدم وغيره من آراء لا بد أنهم سمعوها من هنا وهناك، ولكن لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها، لأن الإعلام – علاوة على أنه تسلية – يعمل على تشكيل الوعي، والارتقاء بالمتلقي والتأثير وبث رسائل ضمنية في ثنايا الأعمال، وصنع ذائقة لدى المتلقي غير ذائقة التهريج، والتكرار السنوي للسخرية من اللهجات، واصطناع مواقف معزولة لا يمكن أن تصمد بضع دقائق لقصر نفس الكتاب، وعجزهم عن تقديم مسلسلات متوازنة، فيها الكوميديا الراقية ذات البناء المحكم والمعتمدة على الموقف لا على “القفشات” والقدرات الذاتية للممثلين في النهوض بعمل متكامل.
نتحدث عن الحرية على أنها أساس الإبداع، ولكن ربما احتجنا للحديث أكثر عن الحرية المسؤولة، وبعض الصرامة في المحطات، والرسمية منها على الأخص لأنها تنتج وتشتري الأعمال من المال العام، لأن تكون أكثر انتقاء، وأكثر تشدداً في ضرب المثل لما يمكن أن يُبث عبر شاشاتها كونها محطات ذات رسالة وليست ربحية، لعلها تضرب وتداً في أرض الإبداع لا لتتحول الأعمال إلى غمّ وهمّ... ولكن لتكون أكثر رقياً في أيّ لون من ألوان الفنون تختاره.