لنقتلع أنفسنا من السياسة أحياناً، فنجد أنفسنا في بحر السياسة غارقين، ولكنها هذه المرة سياسة من نوع آخر، وهي المحاورة “اللطيفة” مع مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، الذي أجاز هدم الآثار في مكة المكرمة من أجل توسيع الحرم المكي الشريف.
ولا أعرف أن أمر الآثار هو من الأمور الدينية، ولكننا اعتدنا في هذا الزمان أن نسند إلى الدين ورجاله، أو شيوخه كل شأن من شؤون نهارنا أو ليلنا وإن كان الأمر لا يتعلق بالدين، أخذاً بالمقولة الشعبية الدارجة “قطها في رقبة عالم، واطلع منها سالم”. فأكثر الناس أصابهم وسواس في هذه الأيام لا يمكنهم فيه أن يتخذوا أبسط القرارات من دون رفع سماعة الهاتف لسؤال الشيخ (بطبيعة الحال رفع السماعة هو أمر مجازي، إذ إن الهواتف ذات السماعات في طريقها إلى الانقراض)، فيجد الشيخ نفسه في دوامة من الاتصالات التي تبدأ بسؤال “هل يجوز...؟”، وأشباهه من الأسئلة البسيطة والمعقدة، وبعضها لا تحتاج شيخاً في الدين، بل متخصص في الدنيا، وبعضها لا تحتاج إلى أحد أساساً سوى عقل السائل، ولكن وسواس الخطأ والزلل والإثم بات يحيط بالناس بخشية تكبيلهم عن التفكير المبدع والمتنامي، لأنهم إنْ أرجعوه إلى شيخ الدين، وهو واحد من البشر، حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء، فلربما كان معيقاً من حيث أراد أن يدفع مفسدة أو يجلب منفعة. خصوصاً في الأمور الإشكالية الحديثة.
عودة إلى موضوع الفتوى بهدم الآثار لتوسعة الحرم المكي الشريف، فلا شك أن الدولة السعودية (بحسب تعبير المفتي) قد أحدثت من التوسعات والخدمات ما لا يمكن إلا إكباره وإجلاله، بل والدعاء لمن أمر به وسخّر له المال والجهد، لأن هذه التوسعات المتتالية قد أعانت على استيعاب هذه الجموع التي تقصد بيت الله الحرام، وسهّلت أمور تحركها، ووسعت لها المكان للقيام بالمناسك والعبادات. ولكن الله تعالى، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، كان قد أوحى له في ستينات القرن الماضي أن ينقل آثاراً عظيمة عملاقة في مصر ترجع إلى بضعة آلاف من السنين من مكانها إلى أماكن أخرى أكثر أمناً عندما أريد تنفيذ مشروع السد العالي، وخِيف عليها من أن تغرق في بحيرة ناصر.
وليست هذه هي الحادثة الوحيدة والفريدة، فلقد طاف بنا المرشد السياحي السويسري قبل 29 عاماً ليرينا مصرفاً قديماً عمره مئات السنين كان يجب أن يزال من مكانه لصالح توسعات وتمديدات في المدينة، ولأن هذا المصرف قد ارتبط بالنظام المصرفي القوي والمتماسك والمشهور عبر العالم بصرامته وسريته، فقد تم “قطع” المبنى من أسفله كالكعك، ونقله بقضّه وقضيضه من مكانه إلى مكان آخر كما هو ليبقى رمزاً للصناعة المصرفية السويسرية.
ويمكن لأي شخص من دون أن يكون متخصصاً أو عالماً، أن يلمس هذا “النقص” لدى المواطن الأميركي بشكل عام الذي لم يمض على تأسيس بلاده أكثر من 250 عاماً، وهو يتوق لأن يكون لديه ماض عريق، وجذور بعيدة غائرة تشدّه إلى حيث بدأت البشرية تتلمس طريقها للعلم والمعرفة والإبداع والتشكل، فلا يجد إلا بيوتاً خشبية قديمة مرّ عليها رئيس ما، أو صخرة وقف على ليها قائد في حرب وقعت في القرن الثامن عشر، وعلى ذلك فقس. ليبدو هذا التعطش لصنع تاريخ يقابله ابتذال كبير في تضييع تاريخنا الذي صنعه الأجداد، وتشهد بذلك الآثار المهرّبة، والنسخ النادرة من المخطوطات التي بيعت تحت جنح الظلام، وأسوأ من هذا أن يكون بعض الأمناء على المتاحف هم التجار الأساسيون في هذه الجريمة التي تستنزف ذاكرة الشعوب لصالح أثرياء ومضاربين وجامعي تحف.
صحيح أن العرب في مكة المكرمة لم يتركوا آثاراً كتلك التي تركها من أراد تخليد ذكراه، فليست فيها أهرام مصر أو الأنديز، وليست فيها الحدائق المعلقة، كما لم تكن فيها معابد اليونان، ولكن العرب والمسلمين الذين تهفو قلوبهم إلى هذه البقعة المتناهية الصغر على الخريطة، يودّون لو رأوا بيت رسولهم الكريم، كيف كان يعيش، وما الغرف التي سكنها، وبيت زوجه خديجة رضي الله عنها، وأين كانت دار الندوة، وما شكلها، وآبار بدر، وموقع معركة أحد، ودار أبي سفيان التي من دخلها فهو آمن، والطريق الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة ليبدأ إقامة الدولة من هناك والتي لها الفضل في وجود 1200 مليون مسلم اليوم، وكثير من البقاع الأخرى التي أزيلت بفعل التوسعة المتتالية للحرم، والتي لم يلق لها بال، أو لقيت بالاً بأن تتم إزالتها لأنها ليست إلا أحجاراً، وأن الله تعالى وحده هو الذي يُعبد وليست الصخور والرسوم والآثار. بل وقد احتجّ الأتراك في فترة سابقة على هدم قلعة كانت قد بنتها الدولة العثمانية مطلة على المسجد الحرام مشيرين إلى أن إزالتها هي إزالة للفترة العثمانية التي اهتمت بالحرمين الشريفين إبّان عزّها وقوتها. بل حتى الذين ترددوا على البيت الحرام في الثمانينات من القرن الماضي، يحنون إلى السوق القديمة المسقوفة المؤدّية إلى الحرم الشريف والتي كانت موجودة حتى وقت قريب.
لا علم لي بما بقي من آثار مكة القديمة اليوم، ومن آثار السيرة النبوية التي لم تطمسها يد المدنية أو تأمر بإزالتها شخصيات متصلبة في فصل العبادة عن التاريخ، حتى غدت المشاعر إسمنتية بعيدة عن ألفة التاريخ وحكاياته التي تنطق بها الحجارة التي هي في أحيان أكثر رقة من قلوب بعض البشر، كما جاء في القرآن الكريم. ولكنني أعلم أننا خسرنا تاريخاً وتعليماً وسياحة دينية وتماهياً – ولو أولياً – مع شخصيات تعيشنا، وأحداثاً لا تزال تسكننا وتشكل وعينا ووعي مئات الملايين من المسلمين اليوم.