في مقال سابق، توقفت عند مسألة اتهام جمعية الوفاق الوطني الإسلامي من قبل مناهضيها الرسميين وغير الرسميين، والكتاب والمغرّدين وغيرهم من العاملين في الشأن السياسي، أو المتعاملين معه، أو الطارئين عليه، أو المتسلقين على أسواره، بأنها وراء أعمال العنف والإرهاب والتخريب والترويع التي تجري في البلاد من قبل شبان وصبية صغار في كثير من الأحيان. مشيراً في ذلك المقال إلى أن الأمر إما أن يكون اتهاماً رسمياً يوجه للجمعية والقائمين عليها ويأخذ القانون مجراه، وإما أن يكون إسكاتاً رسمياً لكل من يرمي جمعية رسمية مسجلة بما ليس من أعمالها، بما يشي بأنه تحريض عليها.
وفي ظل صمت الجمعية عن نفي ما يقال عنها، والذبّ عن حياضها والدفاع عن سمعتها التي تريد أن تؤكدها في كل محفل محلي وخارجي، وهو النهج السلمي، مع نفي استحيائي ومربوط ربطاً مصيرياً بالعنف المتبادل. وفي ضوء استمرار أعمال العنف بل والتداعي لها وزيادتها وتوقيتها، يحق لنا التساؤل عمّن يقف وراءها.
هناك سيناريوهان للتفكير في هذه المسألة (كما في كل المسائل الإشكالية)، وهو إما التفكير داخل الصندوق، بحيث تكون السقوف موجودة، والمعلومات جميعها في اليد، مع محدودية هذا الصندوق، وعدم القدرة على النظر إلى ما هو خارجه. وإما التفكير خارج الصندوق لابتداع طريقة تفكير جديدة تصل إلى لبّ الحقيقة، أو تقترب منها قدر الإمكان، مع إمكانية الوصول إلى حلول جديدة لم تكن مطروقة من ذي قبل لحل المشكلة، وحلول لم تكن مجرّبة، وتستحق التجريب.
يمكن للتفكير من داخل الصندوق الذهاب إلى أن الفاعلين في هذه الأحداث فتية آمنوا بفكر منحرف وزادهم ضلالاً. قيل إنهم يتلقون مقابل كل إطار، وكل زجاجة حارقة (مولوتوف)، وكل مسيرة، مبلغاً من المال يأتيهم من الخارج. وقيل إنهم واقعون تحت تأثير التحريض، وقيل الكثير من الكلام المكرر الذي ينتقل عبر السنوات والعقود من أديولوجية إلى أخرى، ومن فصيل إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، حيث تتغير السنون، وتتقدم الأمم، وتتبدل الظروف المحلية والدولية، وتنتقل مراكز الصراعات في العالم، وتتحول الأقطاب، من ثنائية، إلى أحادية، إلى الوضع الراهن الممهد لتعددية قطبية على مستوى العالم. وتنهض أمم وتتدهور أخرى وتنهار، وتضرب الأزمات المالية اقتصادات، وتهزّ الحروب الداخلية مجتمعات، وتتعاضد قوى الطبيعة أحياناً في سبيل زيادة فقر الفقراء، بينما نحن لا نزال كلما طرقنا طارق من مشاكلنا المحلية المعروفة، سحبنا ملفات قديمة مهترئة، نفخنا عنها الغبار لنستخرج منها الأسباب والمسببات والحلول.
ما يحدث في الشارع منذ شهور من الأمور التي تحتاج معالجتها، إلى ما هو أبعد من التعاطي المتكرر، وهو تقديم الحل الأمني على بقية الحلول من أجل الردع والرد على مصدر التهديد، وهذا أمر مهم في حينه طبعاً، ولكن التفكير خارج الصندوق يعني أن نتمكن من أن نتجاوز هذا التكرار الذي لم يتوقف منذ عشر سنين تقريباً، ويسحب خيط إدخال الشارع إلى ساحة الصراع السياسي ليغدو مع الزمن جزءاً من الصراع نفسه، ويكون جزءاً من الضغط من جهة، ومن الاتهام من جهة ثانية. كما ليبقى الصراع في مجال الطاولات والمحاورات، من دون أن تدخل القوة والعنف في مفاعليه، فسنوات الخبرة (المفترضة) لدى جميع أطراف الصراع، تشير إلى أننا نطوي الزمن طياً من أجل إتمام قرن من الزمان على الحراك السياسي الشعبي في البحرين، وهي مدة كافية لتكشف عن جميع التلاوين، وتعطي صورة أكثر وضوحاً عن المدى الذي تصل إليه مدافع كل طرف، فلا داعي لتجريب المجرَّب في كل مرة!
المتتبع للشأن البحريني في السنوات الخمسين الماضية من القرن العشرين وما تلاه، لن يخفى عليه أمر مهم ولافت في كثير من القضايا المتشابهة التي ترمى بالتهم نفسها، وتتم معالجتها بالشكل نفسه، سواء كان من الحكومة أو من المعارضة، وسواء كانت المعارضة وطنية أو فئوية، وسواء كان ذلك في خمسينات أو سبعينات أو تسعينات القرن الماضي أو حتى في الأمس القريب، وهو أن هناك متغيرين اثنين فقط لا غير: التواريخ والوجوه. بل وتبقى بعض الوجوه كما هي مع تغير في الملامح فقط بفعل الزمن. هذا يعني أمراً واحداً، وهو أننا منذ ذلك الزمان إلى اليوم لا نتعلم الدروس جيداً، وبمجرد انتهائها نشعر وكأننا قد رمينا الموضوع برمّته وراء ظهورنا، وأنه لن يعود مجدداً وإلا لما تكررت الأخطاء، ولما دارت الأسطوانات نفسها لو فكرنا خارج الصندوق في اتجاه إيجاد مخارج وحلول مبتكرة تمنع هذه القصص من التكرار بشكل ممل. لأن غالبية المسائل يتم حلها إما بالإنهاك أو بتسوية «توازن الضعفاء» التي تنتهي عند «لا غالب ولا مغلوب»، وهذا يعني أن الأمر في وقت لاحق معرّض للعودة والتكرار حتى تجد الملفات نفسها التي لم تحل، حلاً، وتعرف لها مخرجاً.
وفي الحالة البحرينية، التي يدّعي الجميع أنه يعرفها خير معرفة، ولكن الكثير منا يجهلها تمام الجهل، فإن المشكلة التي تواجهنا في حل المعضلات، هي ذاتها المشكلة التي تتسبب في نشوء هذه المعضلات. لأن جهلنا بطرائق تفكير بعضنا البعض، وذلك لأننا لا نحتك ببعضنا إلا بالقدر اليسير المسيّر للأعمال اليومية، وبقدر كبير من التوجس والحذر، وبشيء لا يخفي من الرغبة الظاهرة أو المضمرة في سرعة إنهاء حالة التماسّ الاضطرارية التي قد تدعو إليها الضرورات فقط، فإننا في الغالب لا نعرف المستويات والطبقات المتتالية للتفكير والمزاج والتفاعل مع القضايا والاستجابة للمؤثرات الخارجية، ومدى تأثير القيادات والانسياق لما يقولون والإيمان بهم، وإمكانية الاستماع إلى الآخر أو الأخذ بكلامه قياساً على تاريخه في التعاطي.