العدد 1644
الإثنين 15 أبريل 2013
ملاحظات جوهرية على أوضاع الأمة العربية غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 15 أبريل 2013

اختتمت في العاصمة اللبنانية (بيروت) يوم السبت الماضي أعمال المؤتمر الإقليمي الثالث “العالم العربي 2013: ديناميات التغيير، التحديات في الأمن والاقتصاد والإدارة السياسية”، الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية في الجيش اللبناني، بحضور عدد لا يستهان به من المفكرين والخبراء وأصحاب الرأي من عدد من الدول العربية وغير العربية ليناقشوا أوضاع هذه الأمة التي تبدو لا تزال مختبراً لا يكف عن إنتاج الكثير والمثير من القضايا ذات الأبعاد المؤسفة، مع الأسف!
الملاحظات (حتى لا أقول توصيات لأن لا أحد يستمع إلى التوصيات في الأساس، فضلاً عن التنفيذ، كما لا أحد من المعنيين والمسؤولين العرب – غير بعض مسؤولين سابقين في البلد المضيف قد حضروا – يمكن أن توجه إليهم التوصية) التي خرج بها المتحاورون، في شأن الأمة العربية وما تواجهه من مستقبل في ظل تصاعد التيارات الإسلاموية، والمتشددة منها في بعض الحالات، وتلويحها بإمكانية الحلول المباشرة محل الأنظمة التي سبق وأن ثارت الشعوب للتخلص منها، لممارسة الأدوار ذاتها، هي واحدة من أهم القضايا التي راوح النقاش فيها كثيراً، مع اتفاق عام على أن الأقليات في الدول العربية يجب أن تتم حمايتها من قبل السلطات الحاكمة باسم الأغلبية.
في الحقيقة، لا نزال واقعين تحت القبة ذاتها التي أنتجت النظام الديمقراطي الذي يقول بحكم الأغلبية (أو الغالبية عند البعض)، وإلى الآن لم تجد البشرية بديلاً مقنعاً ونموذجاً شاملاً لهذا النوع من الطرائق لترجيح طرف على طرف، إلا عندما تتقارب الأصوات في العملية الانتخابية في بعض الدول حيث لا تكون هناك حكومة أكثرية أو أغلبية. وحكم الأغلبية في الدول التي لم تختبر الحياة الديمقراطية، وهي الحياة الأوسع بكثير من مجرد صناديق الاقتراع، يعني “توحّش” الأغلبية واعتقادها أنها ستسيطر على مقادير البلاد والعباد أبد الدهر، وهو ما يدفع بالقوى الأخرى للتكتل ضدها لإزاحتها عن السلطة، وفي الغالب، فإن هذه الإزاحات، ونظراً لظروف تكوين المجتمعات العربية، وحتى النخب المثقفة منها، غالباً لا يكون سلساً وسلمياً. وهذا أيضاً ما يدفع من يصل إلى السلطة لأن يعضّ عليها بالنواجذ لأنه يعلم عاقبتها إن هو أزيح عن كرسيّه.
الوزير الهندي السابق محمد عارف خان، يتكلم بهدوء وحكمة من خط الشيب رأسه وتمرّس في بلد سكانه 3.5 أضعاف سكان الوطن العربي، والآتي من أقدم ديمقراطيات الشرق، ومن بلد فيه من العرقيات والأديان والطوائف والمذاهب ما لا يمكن أن نحتمل وجوده بيننا، ليقول “الديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية، فالحكم للقانون أيّاً كان من يتصدى لقمة السلطة، ولكن الأغلبية تعمل على تطبيق القانون الضامن للاستقرار الاجتماعي، لأن البطش بالقانون يعني تسلط الأكثرية”.
ولكن تجاربنا العربية تشيح عن هذا الأمر، من أجل التكاثر والتفاخر، حتى لو كلف ذلك ما لا يطاق من الكذب السياسي والرشوة والتدليس والتهديد، إذ في سبيل الوصول إلى الأغلبية التي يطأها “الزعيم” ليصل إلى القمة، يمكن عمل أي شيء حتى لا يجد المتخاصمون في أنفسهم حرجاً مما يفعلون.
ملاحظة أخرى من هذا المؤتمر تشير إلى أن النظم العربية، الجمهورية منها والوراثية، لا تختلف في تعاطيها مع واقعها الاجتماعي الداخلي، ولا مع محيطها الإقليمي، ولا مع المتغيرات الدولية، وربما لا فضل لنظام على آخر بالشكل العام، ولا على نظام جمهوري وآخر، ولا على نظام توارثي وآخر، في النظر إلى القضايا المختلفة. فإذا كانت هناك ثمة مشكلة فإنها ليس في “شكل” النظام، بل في “جوهره”. فالشعب/الجمهور – الذي اشتقت منه تسمية الجمهورية – مغيّب في التجربة السياسية العربية طوال نصف قرن من الزمان وأكثر (هو عمر غالبية الجمهوريات العربية) عن القدرة على المشاركة، أو التعاطي مع النخب الحاكمة التي عاملته في الثلثين الأولين من هذه الفترة على أنه غير واع، وفي الثلث الأخير على أنه خطر على النظام، حتى وإن كان ناصحٌ أمين. واليوم مطلوب من الجمهور المجوَّع سياسياً، والمعطَّش ديمقراطياً، أن يكون حكيماً ومتوازناً وهادئاً، وكأنه رضع التفاعل الديمقراطي في البيت والشارع والمدرسة والمؤسسة من صدر المجتمع والدولة!
ملاحظة قبل الأخيرة، هي أن الجيش اللبناني هو من أقام ونظم هذا المؤتمر من خلال مركزه الخاص للبحوث والدراسات الإستراتيجية. والجيش اللبناني، ككل الجيوش في العالم، يخرج منه الساسة والقادة والمديرون وغيرهم من المسؤولين، وبالتالي فعليه مسؤولية كبيرة في إعداد القادة الفاطنين لقضاياهم الداخلية، والعارفين تمام المعرفة بما يجري في الإقليم وما وراءه، وما إنشاء مركز للدراسات والبحوث في مؤسسة عسكرية، يتفاعل من دون قيود أو عوائق مع جملة من المفكرين والمتخصصين، إلا انبساط لفكرة التفاعل الحيوي بين مؤسسات الدولة من جهة، ولتنزع عن الجيش (أيّاً كانت دولته) صفة متوارثة من الصرامة المبالغ فيها أحياناً، والمعززة بالبدلات العسكرية والنياشين والأنواط والقبعات التي تتخطى الحاجبين. فدوامة الاطلاع على الأفكار الجديدة وإنتاجها يصب في الخانات المريحة من تفاعل الجيوش بوطنها وسائر الأوطان التي تتعالق معها من نواح شتى.
وأخيراً، فإن ملتقى كهذا المؤتمر، يجدد قصة التفوق الإعلامي الشعبي في البحرين على الإعلام الرسمي، المقصود (طبعاً) ما يخص الأحداث الأخيرة في السنتين الماضيتين، خصوصاً لدى النخب العربية الآتية من المغرب حتى باكستان والهند، ومن روسيا حتى الولايات المتحدة. لا أريد هنا ترجيح أيُّ الفريقين المتخاصمين لديه الحجة الأقوى، الدليل الأدمغ، ولكنها الآلة الإعلامية التي استطاعت، بل ونجحت، في أن تجد لها مواطئ أقدام على الرغم من إمكاناتها القاصرة حتماً عن إمكانات الدولة. لأن الإعلام بصيغه الجديدة وطرائقه التواصلية الذكية لا يقوم على التصورات القديمة التي عفا عليها الزمان.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية