العدد 1633
الخميس 04 أبريل 2013
الوقوف أمام الكاميرات غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 04 أبريل 2013

أذكر تماماً ذاك المدرب الإعلامي البريطاني الآتي من مؤسسة بي بي سي الشهيرة وهو يصف خطورة حضور الكاميرا التلفزيونية في المواقف الصعبة. ويدلل على هذا الأمر بنزاع اعتيادي جداً، يحدث كل يوم تقريباً في أماكن كثيرة من المدن والأحياء. إذ اتهم أحد الأشخاص جاره بالتعدي على ملكيته، وأنه أقام كوخاً صغيراً ممتداً من أرض الجار إلى أرضه... كان الرجل العجوز غاضب جداً، وكاميرا محطة محلية في الولايات المتحدة كانت تتابعه عن قرب وتسير معه، وهو يصب اللعنات على جاره، وفي حركة غير متوقعة، أشهر العجوز بندقيته، وأردى بها جاره!
أعاد المدرب الشريط بالسرعة البطيئة لنرى اللحظة المباشرة التي سبقت إطلاق النار، كانت عينا العجوز قد التفتت إلى الكاميرا، وكأنه يتأكد أنها تدور وأنه في كادرها وستصور هذا الجزء بالتحديد، ومن بعدها رفع البندقية وضغط الزناد!
يسهب بعدها المدرب في التحذير من وجود الكاميرات بشكل قريب أو ملاصق من الحدث لأن هذا التصرف غالباً ما يثير الأطراف لاتخاذ ما لا يودون اتخاذه من مواقف فيما لو لم تكن الكاميرا هناك. فهذا العجوز ما كان (ربما) ليقتل جاره لنزاع تافه يمكن أن يحل بطرق أكثر ودية وقانونية وحضارية. فالكاميرا لها سحرها الخاص التي تجعلنا نبتسم أمامها من دون أن يكون هناك داع للابتسام، أو نتصنع حركة أو تعبيراً ما، نعدّل من وضعية ملابسنا، لأنها ستجمّد اللحظة أو تحفظها، ونريد أن نكون في صورة ربما ليست الصورة التي هي على طبيعتنا، من أجل الناس والأجيال، من أجل شيء لا نفهمه حقيقة، ولكنها في كل الأحوال الكاميرا التي تغيّرنا.
الحال نفسه مع جلسات حوار التوافق الوطني، وهذا ما دعوت إليه قبيل انطلاقه في صائفة العام 2011. فمع التفهم العميق أن من حق الجمهور أن يطلع على مجريات أحداث هو في قلبها، ويريد أن يعرف التطورات التي تحصل بشكل يومي تقريباً في حوار التوافق الوطني الأول؛ فإن الأمر الأكبر والأكثر تشابكاً وإشكالية هو أن هذه الإضاءة الإعلامية الباهرة، كانت تغري المتضادات لتكون أكثر تضادّاً وتشدداً، لأنها تدرك تماماً أن كل ما تقوله وهي داخلة إلى قاعات الحوار أو خارجة منها، سيتلقفه أنصارها قبل أندادها، وبالتالي فهو لا يريد أن يخيب آمالهم، ولا أن يردّهم خائبين. فالأنصار أشبه ما يكونون بمشجعي الفرق الرياضية، تراهم وهم على المدرجات أكثر حماساً بل وربما عدوانية من اللاعبين أنفسهم الذين يحتكون ببعضهم ويتنافسون داخل الملعب. وحتى لا يفقد أحدٌ جماهيره، فلا بد أن يبادلهم الحماس بحماس، والتوتر بتوتر، والمعاندة بالمعاندة، وهذا الذي أقوله هو نفسه ما ينطبق على أفراد الحوار الأول، إذ تتلقفهم الكاميرات والأضواء والمايكروفونات لدى خروجهم للتو من قاعات الاجتماع.
في هذا الاتجاه، لا أزال على دعواي، وهي أن الجمهور من حقه العلم والوعي بما يجري، ولكن هناك مصالح عامة وأهم من الاسترضاء ومقايسة قبول القاعدة الجماهيرية للمواقف التي تخرج من الحوار، فهذا أمر ليس قابل للتصويت العام، وإنما هو حوار يعي أطرافه المحددات والسقوف والعواقب، وهناك من القواسم الوطنية المشتركة ما لا يمكن أن يضحّي بها أحد، أو يتخاذل عنها أحد. وأنه لولا هذه القواسم، ولولا الإيمان المشترك لدى المتحاورين ببعضهم البعض، لما جلسوا على طاولة واحدة، بينما الجماهير تكيل أقذع وأقذر الوصوف التي جرت على مرّ التاريخ على ألسنة البحرينيين، فلو آمن المتحاورون إيماناً مطلقاً بما يقوله الجمهور لما تحاوروا من الأساس.
وهذا يعني أن يُترك المتحاورون لأنفسهم بعض الشيء، حسناً فعلوا أن اختاروا مكاناً قصياً ليتحاوروا فيه بعيداً عن الضوضاء، ولكن ضوضاء الأنوار والإعلام هي بالدرجة الأولى التي تجعل المتحاورون يتصلبون في مواقفهم، فلا أحد منهم يريد أن يخرج إلى الكاميرا ليقول: «سامحوني فلقد غلبني الطرف الآخر»، فهذا القول يعني انتحاراً ليس للشخص نفسه، بل لكل التوتر والأضرار أو توهّم الأضرار أحياناً التي لحقت بمن يمثلهم. لأن موضوع التوافق يعني أن يتخلى كل فريق عن بعض حمولة قاربه لكي يخفّ ويرفعه البحر بعد أن «لحم» في القاع لمدة لا يريد حراكاً. وكلٌّ ممسك حمولته ينتظر من الآخر أن يبادر بإلقاء ما عنده بحذر، وهي مقاربات ليست كافية لكي تطفو القوارب وتبحر.
تبيّن الأيام الأخيرة أن اللقاءات الثنائية أفضل وأكثر جدوى للمتحاورين من اللقاءات الموسعة لأنها تقلل فرص المبادرة حيث تكون العيون مسلطة على من يريد أن يتزحزح في موقفه قليلاً، بما يعيده إلى «غيّه»، ويعيد أسطوانة المماطلات والتسويفات والالتواءات. فبعد أسابيع من النقاشات التي بدأ الناس يملّونها، بدأت بعض الانفراجات باللقاءات الثنائية. ويبقى أن تخفّ شيئاً ما الأضواء الإعلامية حتى يتمكن المتحاورون من أن يروا بعضهم بعضاً، وأن يتوصلوا لنتائج أفضل وأكثر سرعة.
ما يمكن الانتهاء إليه، هو أن أي نوع من الضغط الإعلامي الذي يمكن أن يمارس على المتحاورين من جميع الأطراف، سيعمل على تأخير التوصل إلى توافق وطني في حدوده المعقولة، هذا إن لم يفسد الموضوع برمّته لما للكاميرات من سحر لا أستطيع تفسيره وفك طلاسمه، ولكن على كل حال فعل مؤثر وقوي. فكما أن الإعلام بأدواته وسيلة انتشار وإشاعة قيم الديمقراطية في المجتمع، فهو أيضاً واحد من أهم وأكثر الوسائل التي يصطنع أمامها الناس ويكونون على غير ما اعتادوا عليه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .