في كل عام تطل علينا “ركاز” بشعار تحيي فيه القيم الأخلاقية في المجتمع تأكيداً على أننا أمة الأخلاق التي افتقدت جانباً كبيراً من الأخلاق التي تحدث القرآن الكريم عن منظومتها المتكاملة في إعجاز قل فيه المنظرون، وهو “الإعجاز الأخلاقي في القرآن الكريم”، كما أن ما احتوته السنة المطهرة من دلالات ونصوص استوعبت جانباً كبيراً من البعد الأخلاقي جدير بالتفكر والتدبر والإحياء حتى تكون أمة محمد “صلى المولى تعالى عليه وسلم” أمة الأخلاق قولاً وعملاً.
وفي هذا العام طالعتنا “ركاز” بشعار تحتاجه الأمة الإسلامية بل والإنسانية جمعاء “المتسامح رابح”، وهو يتمثل بتصحيح مفهوم مغلوط عن أخذ المرء بالتسامح عندما يواجه خصومة أو تعنتاً ممن يخاصمه وينابذه العداء، وذلك فيما يسود في سلوك الناس من قناعة تتمثل في أن الرد على الخصومة وعدم السكوت عن أي تجاوز يطال الإنسان يمثل ردة الفعل الصحيحة التي تحفظ للإنسان كرامته ومكانته، وأنه متى غض الطرف عن أي تجاوز عليه من فلان أو علان وتسامح معه، فإنه يكون خاسراً خسراناً مبيناً، وستصاب سمعته بين الناس بالصورة التي تعكس أنه إنسان “خواف” ولا يستطيع أن يوقف من تعدى عليه عند حده، وذلك بسبب تسامحه وصفحه عمن ظلمه أو اعتدى عليه.
ومما قد يفهم في هذا المنوال أن هذا الشعار يدعو إلى أن يكون المرء منكسراً ولا يرد أي ظلم أو اعتداء قد يقع عليه، وأن رده الإساءة بالإحسان يفهم ضمن إطار أنه حتى لو سرق المعتدي ماله أو كسر عظمه فإنه يتخاذل ولا يرد له الإساءة ولا يصده ولا ينكر عليه، وهذه من دون شك مغالطة كبيرة لا تفهم ضمن السياق الصحيح للتسامح، وأن ما ينبغي أن يتحقق التأطير للتسامح بخصوصه يتمثل في أن يكون المسلم متذللاً في تعامله مع إخوانه، زاده في ذلك البر والقسط في التعامل بدلاً من العنف والتصادم، وهو ما يمثل علاجاً ناجعاً لتقويم السلوكيات المعوجة والشاذة، فعندما تقوم بالرد على من خاصمك بالحسنى، فإنه أحرى به – إن كان صاحب ذات – أن يطلب منك السماح والصفح، كما أنه – لموقفك هذا معه – لن تسول له نفسه مرة أخرى التعدي عليك أياً كان جوهر هذا الاعتداء، وهذا ما ترغب فيه الشريعة الغراء من خلال الدعوة إلى سلوك التسامح والتجاوز عمن ظلم، رغبة في إشاعة سمة التذلل في التعامل خصوصا بين المسلمين، مع ترك كل ما ينغص أو يهز العلاقة من خلال معالجته بهذا السلوك النبوي الإيجابي.
وحقيقة الأمر، إن التسامح كخلق إسلامي وإنساني له أبعاد كثيرة ترتبط به وبتفاصيله، كما أن له ارتباط بمختلف الأخلاق الأخرى، فمن يريد أن يكون متسامحاً فلابد أن يكون حليماً، ولابد أن يهجر الغضب كصفة سلبية حذرت منها السنة المحمدية، ولاشك أن ما تقوم به “ركاز” من فعاليات مصاحبة للشعار الذي تطلقه كل عام يمثل تعريفاً وتفقيهاً بمختلف الأبعاد التي تقترن بالخلق الذي تسلط عليه الضوء في كل عام.
إلا أن مما أقترحه على القائمين على هذا المشروع المبارك - حتى يبقى ما يدعون إليه في وجدان الناس وتفاصيل حياتهم العملية - هو ألا تكون الفعاليات المقترنة بالسلوك والخلق المستهدف لمدة معينة خلال العام، بل لابد من جعلها طيلة العام وإن كانت متفرقة، على أن تفصل بين حملة وأخرى مدة معقولة، إضافة إلى تذكير الناس بجانب من الفعاليات التي مضت في الأعوام السابقة خلال الفعالية الحالية حتى تظل مستقرة في وجدان الناس وقناعاتهم، وأن يتم توظيف مختلف وسائل التواصل لتكون هذه الأفكار حاضرة في كل مقام ومقال في حياة المجتمع حتى تستقر بعد ذلك في وجدانه وسلوكه.
زبدة القول
إن المبادرة التي يطلقها مشروع “ركاز” في كل عام تعد مبادرة مباركة ينبغي أن يكون الدعم الرسمي والأهلي لها ضمن نطاق أكبر نظراً لأهمية الجانب الذي يعالجه هذا المشروع والمتمثل بإصلاح سلوكيات الناس وواقعهم الأخلاقي، لاسيما في ظل ما شاع في أوساط كثير منهم من فقدان وضعف في ممارسة هذه السلوكيات وفق ما يرتبط بمقتضيات بعدها التعبدي والإيماني.