العدد 2022
الإثنين 28 أبريل 2014
المواطنة الإيجابية الحقة أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
الإثنين 28 أبريل 2014

لطالما تجددت تلكم الاحتفالات بالأيام الوطنية في مختلف الربوع والأوطان، وتراقص المحبون لأوطانهم على أنغام تلكم الأغنيات التي كتبها ولحنها شعراء يكنون الود والمحبة للوطن، وكم جميلة تلكم الأغنيات التي كتبت قبل عدة عقود لتترنم على أنغامها وتستشعر لذة نظمها أجيال توالت بعدها أجيال، رافعين أعلام الوطن الذي احتضنهم واحتضن أجدادهم قبلهم وهو يحتضن أبناءهم ومن سيأتي بعدهم جيلاً بعد جيل، ولكن يختزل البعض المواطنة الإيجابية في تلكم الترانيم التي يتراقص على نغماتها ليعبر عن حبه لوطنه، أما أولئك الذين عرفوا معنى الوطن فلم يقتصروا على ذلك، بل فقهوا واستوعبوا أن المواطنة الإيجابية ينبغي أن تنعكس بذلاً وتضحية وعطاء برفع اسم بلادهم في المحافل الدولية، وإيجاد أرضية أقوى وأكثر تماسكاً لسمعة البلاد في العالم في مختلف الميادين، وذلك من خلال دعم النخب في المجتمع كي تحفّز عزائمها في سبيل بناء وطن قادم يرتفع قدره يوماً بعد يوم في المحافل الدولية.
لا ننكر على من يتغنى بحب الوطن فعلهم، ولا نرفض الاحتفال بأية مناسبة عزيزة على القيادات والشعوب في أي وطن من الأوطان، ففي ذلك تعبير عن الولاء للوطن وتأكيد على صدق الانتماء والمحبة، ولكن لابد أن نعلم أن من يقتصر على ذلك يعيش وطنية منقوصة، يمارس من خلالها الاحتفال والترنم على أنغام الأغاني الوطنية في مواسم معدودة، وينسى أو يتناسى أن ذلك الوطن ينتظر منه الكثير والكثير من العطاء الذي تعكسه مواطنته الإيجابية الحقة.
وحقيقة الأمر، لا يمكن أن تؤسس الشعوب لمواطنة إيجابية حقة ما لم تعزز الأبعاد الثقافية لمفهوم المواطنة في المجتمع، وذلك من خلال إرسائه كمفهوم فلسفي ذي أبعاد دينية واجتماعية وثقافية قبل أن تكون أبعاداً سياسية وقانونية، فهو في المقام الأول لُحمة ترتبط بتماسك والتحام بين مختلف الانتماءات في المجتمع التي ارتضت أن تعيش على أرض واحدة وتحكمها قيادة واحدة، وتسعى إلى أهداف مشتركة ترسمها من خلال مواثيقها ودساتيرها، وتربط ذلك بمقومات يرتكز عليها المجتمع من العدالة الاجتماعية وتحقيق رفاه المواطن واستقراره من خلال توفير مختلف الإمكانات وتسخيرها في سبيل ذلك.
إن المواطنة الإيجابية تستلزم من الجميع بذل الغالي والنفيس في سبيل التضحية لرفعة وبناء هذا الوطن، وعلى القيادات الحاكمة في مختلف الأصقاع والأوطان توفير أرضية صلبة لتحقيق ذلك من خلال منظومة متزنة من صناعة الولاء الموضوعي للوطن، والذي يقوم على أرضية صلبة من العدالة وتوفير الحاجات الضرورية وتحقيق الاستقرار الأمثل للمواطن في ربوع وطنه، وذلك بدلاً من أن يعيش المواطن في أحضان وطن لا يعرف فيه استقراراً، ولا يلمس فيه راحة، ولا يجد أبسط ما يندرج ضمن حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصا حقه في حرية التعبير عن مطالبه وفق ما تقتضيه المنظومة القانونية السائدة في الدولة.
ومن أجل ذلك، فلابد من إبراز المواطنة وفق منظومة ثقافية قائمة على أسس متينة، وقادرة على تجاوز مختلف التحديات التي تظهر ما بين الفينة والأخرى لشق اللُحمة والترابط المجتمعي، مع العمل وفق استراتيجية مدروسة على تذويب مختلف الفوارق التي تنشأ عن اختلاف الدين أو المذهب أو الانتماء العرقي، وهناك نماذج لمجتمعات استطاعت تحقيق ذلك وبناء منظومة المواطنة الإيجابية القادرة على تجاوز مختلف المعضلات رغم وجود انتماءات عرقية متعددة في كثرتها ومتباعدة في مقوماتها في مجتمعاتها، وخير دليل على ذلك تلك المواطنة السائدة في بعض دول جنوب شرق آسيا، وينبغي أن ينظر إلى الاستفادة من نموذجيتها وبعدها السائد والمتراكم على امتداد عقود.

زبدة القول
إذا كانت المواطنة الإيجابية تعكس في طياتها التأكيد على أهمية البذل والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل رفعة ونصرة الوطن، فإن تحقيق الاستدامة لهذه المواطنة يستلزم توفير أرضية صلبة تتحقق من خلالها للمواطن حاجته الإنسانية المتمثلة بالاستقرار وتوفير العدالة الاجتماعية وحرية التعبير.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية