على الرغم مما يقوم به ديوان الخدمة المدنية من إجراءات وما يتخذه من قرارات في سبيل بناء الكوادر الحكومية وتطوير قدراتها على أعلى المستويات، وعلى الرغم من أنظمة الحوافز والمنح التي يتم منحها لموظفي مختلف الوزارات والهيئات بناء على التقارير السنوية للموظفين، وعلى الرغم من قيامه برفع المعدلات الدنيا من الرواتب للموظفين، إلا أنه تبقى في هذا المقام كلمة نتوجه بها إلى المسؤولين في ديوان الخدمة المدنية لبيان جوانب كثيرة تحتاج إلى معالجة لتحفيز الموظف في القطاع الحكومي والحد من كثرة الاستقالات وهجرة الخبرات من مختلف القطاعات الحكومية بسبب النظام السائد.
نعلم أن ديوان الخدمة المدنية أقر في بداية العام رفع نسبة العلاوة الاجتماعية للمرأة لتكون مساوية للرجل، ونعلم أنه أقر نظاماً لتحفيز الموظفين ومنحهم مكافآت وحوافز لزيادة نشاطهم في المرفق الحكومي، ونعلم أنه مازال يدرس إعادة هيكلة للعديد من الجهات الحكومية عبر سنوات مضت، ونعلم أنه يرفع راتب الموظف من خلال إعطائه علاوة سنوية متواضعة مقارنة بموجة الغلاء التي يعيشها، ونعلم كثيراً من الأمور التي قام بها الديوان مشكوراً في سبيل النهوض بقدرات الموظف، ولكن في المقابل.. هل حفزت هذه الأمور الموظف الحكومي ليكون القطاع الحكومي مكاناً ملائماً للإبداع والتميز؟ وهل تتم من قبل المسؤولين في الديوان مراعاة جوانب القصور في منح العلاوات والحوافز للموظفين؟ حيث إن هناك كثيرا من الموظفين في القطاع الحكومي يستحقون علاوات وحوافز ولا يتم منحهم إياها إلا بشق الأنفس، وتكلمنا في مقال سابق عن علاوة الندب لموظفي وزارة التربية والتعليم، وكيف أن هناك الكثير من الموظفات المنتدبات من المدارس للعمل في الوزارة في وظيفة أعلى درجة من الوظيفة الحالية ولا يتم منحهم أي بدل ندب أو أية علاوات أخرى مستحقة بناء على ذلك.
ولعل من أبرز المحبطات ويؤخذ على ديوان الخدمة المدنية عدم المعالجة لها كإشكالية من شأنها أن تحول دون تحفيز الموظف الحكومي ما يتعلق بنظام السقف الوظيفي المرتبط بجداول الدرجات، حيث إن الكثير من الوظائف على مختلف المستويات في هياكل الوزارات والهيئات الحكومية مقرونة بسقف وظيفي لا يتعدى الارتقاء في مراتبه العشر سنوات من حياة الموظف على أعلى تقدير في المتوسط، ليظل قابعاً على سقفه حتى يتوفر له شاغر على الهيكل الوظيفي المعتمد من الديوان، وليبقى بعد ذلك في حالة من الإحباط لدرجة يصل في بعض الأحيان خلالها إلى وقف علاوته السنوية بحجة وصوله إلى نهاية المربوط، وذلك حتى يتوفر له شاغر في الكادر الوظيفي المعتمد لنقله إلى وظيفة أخرى أو إعطائه درجة استثنائية لمرة واحدة.
وبناء على ذلك، فلابد من الإقرار بأن هناك خللا في آليات تحفيز الموظفين المعتمدة من ديوان الخدمة المدنية، وأن هذا الخلل أدى إلى هجرة الكثير من الكوادر من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص، وأن برامج ديوان الخدمة المدنية لتحفيز الموظفين لابد أن تكون لها واقعية أكثر بحيث يلمسها الموظف على أرض الواقع بصورة أكثر وضوحاً مما هي عليه الآن، ويبقى على ديوان الخدمة المدنية في ذلك الدور الأكبر سواء من خلال التوجيه بتغيير السياسات أو مراقبة المسؤولين الذين لا يلتزمون باتخاذ الإجراءات المطلوبة لمنح الموظفين حقوقهم الوظيفية، في حين يقومون بالالتزام بالإجراءات لاتخاذ أي إجراء تأديبي أو عقابي بحق الموظف، فنترقب دوراً أكبر من ديوان الخدمة المدنية ممثلاً بمسؤوليه لإثبات مرونة ومصداقية وجودة في العمل بصورة أكبر لتحفيز الموظف الحكومي مما هي عليه الآن.
زبدة القول
لا ننكر ما يقوم به ديوان الخدمة المدنية من دور في اعتماد أنظمة كثيرة لتطوير قدرات الموظف الحكومي وتحفيز قدراته للإبداع، إلا أن على الديوان أن يجري ما بين الفينة والأخرى استطلاعات للرأي لقياس مدى ارتياح الموظفين من سياساته، وهو ما نقترحه على المسؤولين في الديوان لإبراز مصداقية أكثر لسياساته على أرض الواقع.