يمثل بناء منظومة المواطنة الحقة التي يتربى عليها أبناء الوطن الواحد قادة ومحكومين حجر الزاوية للبناء والتنمية في المجتمع، وهذا ما يمثل أرضية خصبة لتعزيز قنوات الحوار المتمدن الذي يجري تداول أفكاره بين مختلف الأطياف التي تمثل المجتمع، حيث يكون محور المداولة الفكرية بين مختلف الأطياف قائمة على تعزيز المصلحة الوطنية العليا التي تجمع مختلف من يجلس على طاولة الحوار ليتبادل وجهات النظر.
وإذا كان الحوار المتمدن يمثل حجر الزاوية لتطوير المجتمعات الحديثة وتحقيق نقلات نوعية لها عبر جميع الأصعدة وفي مختلف الميادين، فإنه لا يمكن لمجتمع نخرت الطائفية في جسده حتى أصبح جسداً هشاً أن يرتقي من أجل تحقيق أعلى معدلات التنمية؛ ذلك أن المجتمعات التي تعاني التشطير والانقسام الطائفي مشغولة دائماً بالاقتتال وتدمير كل طرف منها للآخر للصعود بعد ذلك على أنقاض دمار الطرف الآخر؛ لتكون النتيجة عندئذ وبالاً وخسراناً للجميع، ولا شيء غير ذلك.
وإذا كانت المساعي الوطنية تحبذ تحقيق عدد من المعطيات التي من شأنها تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية للمواطن، فإن ذلك قد يكون من المستحيل أو من المتعذر أو من الصعب في ظل معاناة المجتمع من التشطير والانقسام الطائفي، وهذا ما يستلزم اعتماد منظومة متكاملة في سبيل تحقيق الترشيد والتهذيب للتوجهات الطائفية؛ حتى لا تتحول إلى نعرات قاتلة ومهلكة ومدمرة.
وفي سبيل ذلك، وفي خضم ما تسعى إليه قوى التأزيم التي تقودها الوفاق وبناتها استعداداً لما نعتته بتمرد 14 أغسطس من هذا العام، فإن المشهد في البحرين مرشح لكثير من التصادم وزيادة حالة التقسيم الطائفي المرير الذي سيأتي بعد ذلك على الأخضر واليابس، فإنه ليس من شك في أن المعطيات الراهنة تنذر بتحول خطير من شأنه أن يفاقم حالة التأزيم أكثر مما هي عليه الآن؛ لنبقى بعد ذلك ما بين حوار توافق وطني قائم دون ثمرة مرجوة منه، وتمرد قادم لزيادة حالة التأزيم السائدة في المجتمع، وانتكاسة وعودة إلى الوراء بصورة أسوأ مما هي عليه الآن، والخاسر بعد ذلك كله في جميع ذلك هو الوطن.
وحقيقة الأمر، فإنه لا يمكن الدعوة إلى الإصلاح في الأرض بالإفساد فيها، إذ الغاية لا يمكن أن تكون مبررة للوسيلة، وعليه فإن من المتعذر تحقيق الدعوة إلى تعايش المجتمع والنضال؛ من أجل حريته من خلال الحرق والهدم والتدمير والتقتيل، وكل ذلك مع العجرفة والمماطلة على طاولة الحوار بلغة التعالي التي لا تبتغي إلا إقصاء الطرف المقابل والتنكر له على حساب مصالحها الحالية والمستقبلية.
ثم إننا في ظل التداعيات الإقليمية التي مازالت تفجر الصراعات الطائفية هنا وهناك لسنا بحاجة إلى أن ننجر خلفها لنعكس حالة هذا التأجيج على واقعنا بصورة أو بأخرى، وليكن سبيلنا لتحقيق ذلك ممثلاً بالتفاوض الجاد؛ من أجل الوصول إلى صيغة توافقية جادة نتمكن من خلال اعتمادها من انتشال أنفسنا من هذا الواقع المرير، وذلك بدلاً من بكائنا ونحيبنا على اللبن المسكوب بما لا يجدينا نفعاً ولا يحقق لنا رغبة ولا غاية، ولتبقى الخسارة على الجميع دون استثناء بعد ذلك، وعندئذ فإننا لا يمكن إلا أن نرى صورة التشطير الطائفي تزداد في مجتمعنا، ولتتولد الحاجة إلى أن نلملم أنفسنا لنجتمع على قلب رجل واحد، لاسيما وأن التحديات القادمات في ظل تصاعد وتيرة الصراعات الطائفية الإقليمية تحتاج منا بطولة واستبسالا يستلزم التكاتف والتعاضد وبث الروح الوطنية واعتماد لغة العقل؛ لمداولة الأفكار ضمن نطاق ذلك الحوار المتمدن الذي من شأنه أن يثمر لنا رفعة الوطن وتحقيق نهضته المنشودة التي تتحقق من خلالها العدالة الاجتماعية والاستقرار والأمن والطمأنينة، فوقى المولى عز وجل بحريننا شر الأشرار وكيد الفجار وحقد الحاقدين.
زبدة القول
يمثل التشطير الطائفي وتقسيم البلاد والعباد إلى فسطاطين مؤشراً خطيراً من شأنه أن يخلق مزيداً من العرقلة لمختلف قنوات التنمية والنهضة في البلاد، وليس من شك في أن المجتمع الذي يعاني ذلك تستلزم منه المعطيات الراهنة المرتبطة بذلك اعتماد خطة إستراتيجية لخلق حالة من الانسجام بين أفراده وجماعاته ليكون مؤهلاً لتعزيز مختلف قنوات الحوار المتمدن بين مختلف أطياف الشعب بمختلف انتماءاتهم.