العدد 1647
الخميس 18 أبريل 2013
خلقت لأعترض – المعارضة البحرينية نموذجًا أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
الخميس 18 أبريل 2013

كثيرون أولئك الذين يحسبون أنفسهم معارضة بسبب ومن دون سبب، وبمناسبة ومن دون مناسبة، فما إن يسأل أو يُستفتى حتى تجده يبدي اعتراضه دون أن يفهم حتى على ماذا اعترض؟ وما هو الطائل من اعتراضه؟ وماذا سيترتب على هذا الاعتراض؟ وما هي الآليات والوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق وتوظيف هذا الاعتراض؟
وحقيقة الأمر فإن عنوان المقال ليس من وحي خيال الكاتب، بل هو عنوان للكاتب مكسيم غوركي جرى توظيفه في نطاقات مختلفة غالبها بعيد عن المنطق، وإن كان الواقع يستدعي اعتماد هذا المبدأ لبناء منظومة الاعتراض الخالقة للنقد البنّاء الذي يثمر ولادة حالة أكثر إيجابية في تبادل الآراء والأفكار في المجتمع؛ لذلك فإننا قبل أن نعترض على شيء ما فلا بد أن نفقه ثقافة الاعتراض البنّاء؛ لنجيب من خلال ذلك على عدد من الأسئلة... على ماذا نعترض؟... لا ندري ربما لأننا نكتب من فراغ؟! أم من يأس؟!، أترانا نرى أو نشهد يوماً تفتخر فيه هذه الأمة بشبابها الذين نسخرهم للحرق والإتلاف ورمي الزجاجات الحارقة؟!... لماذا ما زلنا في مكاننا بينما هناك من يسابق الريح في سبيل التطور؟!، لماذا لا نعترض على الواقع الذي نعيشه ضمن نطاق الولي الفقيه الذي لا يمثل وحده قمة الدكتاتورية فحسب، بل يذكرنا بأوروبا في عصورها المظلمة، وذلك عندما كانوا يوزّعون صكوك الرحمة مدّعين أن مفاتيح الجنة بيدهم، وهو ما فعله الولي الفقيه ممثلاً بالخميني في الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان يمنحهم جواز سفر للجنة، وهو ما يفعله خامنئي مع من يقاتل في صفوف المجرم بشار من قوات الحرس الثوري الإيراني؟!
إن نطاق الفهم المنصف لهذه العبارة ينبغي أن ينطلق من خلال معطيات نقدية بناءة يتحقق من خلالها الاعتراض على وضع سائد أو رأي مخالف بأدب ومن دون تخريب ولا تكسير تعبر عنه ثقافة العنف، ومن خلال أجندات تتسم بالتعقل والحكمة، وتنطلق من مبادئ بناءة تمنح التغيير بصدق، حيث لا يمكن البتة أن يعطي الشيء فاقده، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجد الحِلم من شخص متفلّت لا يدري إلى أين يهتدي.
ولعل الوضع السائد في حوار التوافق الوطني من خلال ما تمثله معطيات تفاعل الجمعيات الست ما يعبر عن فهم مغلوط لعبارة (خلقت لأعترض)، فمن يمثل المعارضة اليوم في الحوار يؤكد وبحرص سوء نيته في التوجه إلى خلق حالة من التوازن في الأخذ والرد مع الطرف المقابل، فما من مبادرة تطرح عليه إلا ويعترض عليها حتى قبل فهم مضمونها، ظناً منه أن تجاوب الطرف المقابل يمثل ضعفاً ينبغي أن يستغله بأبشع الوسائل من خلال قلب الحقائق والتلاعب بالألفاظ، وذلك دون وضع أدنى اعتبار لما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك في ظل فهمه المغلوط لثقافة المعارضة البناءة التي تنبع من حس وطني بعيد عن المهاترات الطائفية البغيضة.
فإلى أين تسير هذه المعارضة بما تتبناه من أجندات تدعي من خلالها السعي إلى بناء ديمقراطية بناءة يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه؟ وهي لا تحكم نفسها بنفسها، بل يحكمها شخص واحد هو الولي الفقيه الذي يدعي زوراً وبهتاناً أنه على اتصال بالمولى عز وجل وهو منه براء ومن شره الذي يجر الأمة الإسلامية إليه، ولعلنا نجد في المستقبل القريب بروز فئة تفقه ثقافة الاعتراض وفقه المعارضة البناءة التي تبني الأوطان ولا تحرقها، وتعمّر الأذهان ولا تدمّرها، وتزهر الواقع ببريق الأمل بعقلانية متفتحة لا تعرف إلا ثقافة الترشيد في التفكير من خلال بناء أطره وتعزيز مرتكزات منطقه لولادة ثقافة جادة للنقد البناء الذي ينفع أجندات الحوار في كل ما يمس مستقبل الوطن وأهله، وذلك بدلاً من التخبط العشوائي ضمن نطاق ثقافة (خلقت لأعترض).
زبدة القول
إن ترشيد ثقافة الاعتراض في المجتمع تمثل حجر الزاوية لصناعة معارضة تبني من خلال تفاعلها مع الرأي الآخر تلاقحاً للأفكار من أجل صناعة فكر وقاد وأفكار متجددة يمكن من خلالها ولادة جيل من المتعقلين الذي يؤمنون بحرية الفكر البناء الرشيد المرتبط بالمنطق الوطني ولا شيء غير ذلك، ولا شك أن تحقيق ذلك يتمثل من خلال جهود القيادات الفكرية المتعقلة والموضوعية في تفكيرها في المجتمع.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية