العدد 2185
الأربعاء 08 أكتوبر 2014
قراءة المشهد السياسي في اليمن (2) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأربعاء 08 أكتوبر 2014

بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومحافظات عمران وصعدة والجوف بقوة الحشد والسلاح؟ تراهم يعيشون حالة انتصار وزهو يستعرضون فيها قوتهم؟ وكل ظنهم أنهم كسبوا الجولة وحققوا ما أرادوا، قهروا التجمع اليمني للإصلاح وسائر الأحزاب الأخرى كالبعثيين والناصريين والليبراليين وحتى المستقلين وكادوهم، وفرضوا إرادتهم على الحكومة، ولهم رؤيتهم وتقييمهم الخاص ولنا قراءتنا، وفي الحقيقة هم يعيشون حالة تخبط لا يدرون ماذا يفعلون بعد اجتياحهم صنعاء، كأن لم تكن لهم خطة أبعد منها، تنتابهم الحيرة، كمن وقع في مطب باختياره، وسواء بسطوا يدهم واستقر لهم الحال على ما هو عليه أم تقدموا نحو مزيد من كسب الأراضي؟ أو أرادوا تشكيل حكومة بأنفسهم، أم انسحبوا وتراجعوا؟ النتيجة واحدة مهما اختلفت الخيارات. الحوثيون في الأصل زيديون، والمواقع التي وضعوا أيديهم عليها تقطنها غالبية زيدية، ولكن ليس كل الزيديين وهم ثلث سكان اليمن مع الحوثيين، فبعض أبناء القبائل مازالوا يرفضون التيار الحوثي ويعدونه خروجا على مذهبهم وانقيادا للمرجعية الإيرانية المنكرة تماما للمذهب الزيدي، والحوثيون مهما بدا لديهم من قدرة على الحشد لا يشكل أنصارهم في أحسن الأحوال أكثر من 14 - 18 % من سكان اليمن، ولن يستطيعوا السيطرة على كل اليمن، ولن يحكموه كما حكمته أسرة حميد تاج الدين سابقا، فحكم الأسر والطوائف في الجمهوريات لم يعد يلائم العصر، وقوة الحرس والتسلح لم تعد هي المعيار وإلا لما هزمت أميركا في العراق، وما حوصر الأسد في قصره، ولا سقط القذافي في ليبيا وعلي صالح في اليمن.
تحالف الحوثيين مع عدوهم التقليدي الرئيس السابق علي صالح وحزب المؤتمر الشعبي سهل لهم السيطرة على صنعاء، ولكن تحالفهم أصبح عبئا عليهم، فلم يعد خافيا، أنهم تعاونوا مع قوى غير ثورية حاربوها سنوات، ومازالت تريد إسقاط الثورة التي يدعي الحوثيون أنهم فريق أساسي فيها، فكيف يستوي لهم القول؟ لا شك أن موقفهم هذا محرج لهم، فأنصار الرئيس السابق، كما تشير التقارير يعتدون على خصومهم من تجمع الإصلاح بقصد الثأر والنكاية، سرقوا دورهم وطاردوهم وأشاعوا الفوضى كأنهم يريدون القول للناس إن اليمن بعد علي صالح لن يستقر، ولن يستطيع أحد حكم اليمن أفضل منه، ويظهر أنهم الرابحون من دون خسارة، فكل ذلك يجري تحت راية الحوثيين الذين يتحملون مسؤولية هذه الخروقات المرفوضة.
الحوثيون رغم قوة موقفهم التفاوضي الآن يعيشون ورطة محيرة، لو انسحبوا من صنعاء وعمران من غير مكاسب سيواجههم السؤال: لماذا احتلوهما بالقوة وتحدوا قوى الأمن ودفعوا ضحايا بالأرواح؟ وسيعيش أنصارهم حالة إحباط، وإذا استمروا في السيطرة عليها سيؤكدون استراتيجيتهم بقضم المدن واحدة تلو الأخرى، وكذب شعاراتهم. ولن يستطيعوا بمفردهم إدارة صنعاء، أما إذا شكلوا حكومة فمثل هذه المبادرة ستمزق اليمن إلى دويلات وسيواجه الحوثيون مقاومة شعبية مسلحة، فليس لهم أنصار في الوسط والجنوب، وهم أقلية ولولا وعورة مناطقهم الجبلية ما استطاعوا المقاومة والبقاء، وسترفض الدول العربية والمجتمع الدولي حكومتهم ولن يعترفوا بها، وإذا لم ينسحبوا ويسلموا أسلحتهم الثقيلة ربما يضعهم المجتمع الدولي ومجلس الأمن في خانة الإرهاب، وهم بعد اجتياح عمران وصنعاء كشفوا عن حقيقتهم وبانت سوءاتهم، هم يوقعون اتفاقيات ولا يلتزمون بها. ويجعلون منها مرحلة استراحة للقفز إلى الأمام مرة أخرى وقضم مناطق جديدة.
وبرهن الحوثيون أيضا أن سلاحهم ليس لمجرد الدفاع عن أنفسهم، وإنما للهجوم وموجه ضد خصومهم اليمنيين، سرقوا سلاح الجيش الذي توخى إسالة الدماء، واعتدوا على قوات الأمن واحتلوا المراكز والدوائر الرسمية والجامعات وسمحوا بسرقة دور خصومهم، ونصبوا نقاط على الطرق والشوارع والناس تتذمر وتتساءل؟ وأين المبادئ الإسلامية والسلمية التي ينادون بها، والحرية والديمقراطية التي أصبحت تحت أقدامهم وبمواجهة نيران أسلحتهم؟ وسيزداد سخط الناس يوما بعد يوم وسيستغل تجمع الإصلاح ذلك لصالحه، وإن لم يواجه الحوثيون بثورة شعبية ومقاومة مسلحة سيتراجع رصيدهم في الانتخابات. الحوثيون يرفعون شعار “الموت لأميركا” واليوم يحمون السفارة الأميركية في صنعاء، وقد تحدتهم القاعدة وحاولت قصفها بصاروخين وهي رسالة موجهة للحوثيين أكثر من أميركا، وإذا سكت المجتمع الدولي عن الحوثيين على اجتياح صنعاء وفعل ما فعلوه بسبب ظروف التحالف في الحرب على الدولة الإسلامية داعش ومجاملة لإيران بقصد جرها للحلف، لن يستمر طويلا والدور قادم، فالغرب عائد إلى الشرق الأوسط وقد اختار قاعدة سبايكر أكبر قاعدة وسط العراق القريبة من إيران وسوريا مقرا، ولن تقيم أميركا التحالف على الدولة الإسلامية لتترك حزب الله والحوثيين يعبثون بحريتهم، فهل سيمهد طغيان الحوثيين لأميركا إقامة قاعدة جديدة في اليمن قرب خليج عدن وباب المندب؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .