ربما لا يعرف عامة العرب والخليجيين اليوم إلا القليل عن اليمن الذي كان سعيدا، يقول الله تعالى: “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل”، فاليمن منذ أجيال انزوى كأن بينه وبين أشقائه العرب حواجز طبيعية واجتماعية جعلت المتعلمين والمثقفين العرب بعيدين عنه بعض الشيء وضعفت سبل التواصل، فاليمنيون على الرغم مما تذكره بعض المصادر وأنهم أصل العرب، أو منها هاجروا لم تعد تعني العرب كما ينبغي، وقد شط بينهم المزار وندر الاطلاع وشح التواصل الاجتماعي، فالعرب لا يعرفون عن جمال اليمن وأهلها كما يعرفون عن جمال أوروبا الخضراء وأهلها من ذوي العيون الزرق والشعور الشقر والبشرة البيضاء والطول الفارع، ويجهلون أن في اليمن من الجمال البشري والألفة ما لا نظير له، وفيها من الطبيعة الجغرافية جمال متوحش ما لم تره عين ولا خطر على بال، لكن تخلف البنية التحتية السياحية لم تشجع الخليجيين على السياحة، وليس لليمن ما لغيرها من سياحة علاجية، فلا تستهوي الناس كثيرا، وليس لها معاهد وجامعات يقصدها الدارسون، يضاف هذا إلى وجود حواجز جغرافية وتضاريس صعبة وجبال ووديان ومنحدرات، وكذلك الأحداث السياسية والعسكرية التي مرت باليمن في العقدين الماضيين جعلت جزءا كبيرا من سكان اليمن بمعزل عن أشقائهم اليمنيين أنفسهم فضلا عن العرب، رغم الجوار وقرب المسافات.
ويواجه اليمن تفاوتا طبقيا واسعا “غنى فاحش وفقر مدقع”، مع انتشار الأمية وشيوع البطالة مما يزيد صعوبات الحياة، يضاف إلى كل ذلك وجود طبقة من اللاجئين يقطنون الكهوف وعشوائيات الصفيح والطين يتفشى بينهم الجهل والمرض، وفي اليمن تنعدم العدالة في توزيع الثروة، لتكدسها بيد عدد محدود من التجار، وقبائل تهيمن على الأرض وما فيها وما عليها، وتأخرت نهضة اليمن الحديث بخضوعها لحكم المتخلفين وسطوتهم، يضاف إليها ممالأة القادة السياسيين والعسكريين للقبائل وتقاليدهم العشائرية، عوامل أسهمت في بقاء اليمن بعيدا عن أشقائه العرب، وعمق اكتشاف النفط الخليجي هوة الفارق المادي بين اليمن وسائر دول المنطقة بفعل الثورة الانفجارية لمردود الثروة النفطية، الذي لم يعرف اقتصاد اليمن أثرها إلا مؤخرا باكتشف كميات شحيحة، وظل اليمن أكثر مناطق الجزيرة العربية تخلفا اقتصاديا، ينخره الفقر والجهل والمرض، فصنعاء التي لابد منها وإن طال السفر أصبحت كما قال شاعرها البردوني “مليحة عاشقاها السل والجرب”.
منذ سنوات ونحن نندب العرب خصوصا الخليجيين لليمن، نرغب ونرهب، ونعطف الأنظار إلى ضرورة دراسة مشاكل اليمن ومعالجتها على الأقل على المستوى المادي، قبل أن تستفحل وتنفجر، اليمن اليوم الذي يفترض أن يمثل العمق الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي، أصبح الخاصرة الرخوة التي يسهل اختراق الخليج منها، اليمن الذي كان يمكن أن يكون سلة الخليج الغذائية وثقله البشري، صار يتهدد المنطقة بزحف الجراد الذي يمكن أن يكتسح كل ما هو أخضر، اليمن الذي كان يجب أن يطمئن إلى حاضنته القومية وحجره جيرانه من دول الخليج تحتويه ويستظل بفيئها، بات كالابن الضال يبحث عن الهجرة المعاكسة إلى ما خلف البحار، فهل ستشهد المنطقة طوفانا جديدا لمأرب تتدفق منه سيول الحمم المؤذية في كل اتجاه؟ اليمن اليوم تجتاحه فوضى عارمة بعد أن استرخت مفاصل الدولة بين أذرع الحوثيين يقتادون دبابات الجيش ومدافعه وآلياته كما تقتاد قطعان الخراف، ولم يعد لقوى الحكومة حول ولا قوة، فماذا ينتظر الخليجيون وماذا يتوقعون؟ بعد تجاوز الحوثيين كل مقررات الحوار والمبادرة الخليجية والدولية، وبعد أن وجد الإيرانيون جيوشا عربية تزحف على الأرض وتقاتل تحت راياتهم وتختزل المسافات. وصاروا جيرانا لا تفصلنا عنهم حواجز طبيعية ولا يلويهم سد؟
وليس خافيا ان ما يجري في اليمن ليس بعيدا عن تفاهمات دول كبرى “الخمسة زائد واحد” لا يعنيها السرطان طالما يتمدد خارج جسدها، وتدفع الضرر عنها بأهون الشرين، لحين تصفية حساباتها مع داعش، على حساب دول المنطقة، فحذار حذار، إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسم. حلف الحوثيين مع الرئيس السابق علي صالح لن يدوم فالحوثيون لا ينسون ثأرهم وإنما يؤجلونه لأمد، وعندها سيستفردون باليمن والمنطقة بعد تصفية أعدائهم القدامى والجدد واحدا اثر آخر، وسيجد العرب أنفسهم أمام دول جوار غير عربية تغولت عليهم بأبناء جلدتهم، ونازلتهم خارج حدودها، ولها أذرع داخلية وخارجية، وما بعد الصبر على القهر والهوان إلا القبر، ومن يجعل الضرغام بازا لصيده، تصيده الضرغام فيما تصيد.