العدد 2060
الخميس 05 يونيو 2014
درء المفاسد في الفقه الإسلامي وميثاق مجلس الأمن د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 05 يونيو 2014

مجلس الأمن في الأمم المتحدة بحسب ميثاقه عام 1946 هو المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين ومواجهة أي خطر وعدوان يهدد السلام، وأخذ على عاتقه زمام المبادرة بفرض جزاءات أو اتخاذ إجراءات عسكرية ضد المعتدي، واكتسب بهذه المسؤولية سلطة إلزام حكومات الدول الأعضاء تنفيذ قراراته الجماعية. ويفترض في مؤسسة عالمية انبثقت منتصف القرن العشرين بعد التقدم الحضاري والثقافي أن تولي الأولوية لدرء المفاسد وتؤثره على جلب المصالح ولاسيما بعد تعميق مهمته الإنسانية بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، لكن بنود تأسيسه غلفت بالمكر والدهاء في اختيار أعضاء دائمين عينوا أنفسهم بأنفسهم بلا انتخاب كدول عظمى متنفذة “أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين”، وأعضاء مؤقتين منتخبين يستبدلون دوريا، وحصر حق استخدام الفيتو بالدول الدائمة، لإعاقة أي قرار يهدد مصالحها الخاصة ولو قبله كل الأعضاء الآخرين، وحظي بموافقة الهيئة العامة للأمم المتحدة وتضمن مفسدة الإبادة الجماعية، فالقرار الذي لا يحظى بقبول الدول الخمس الدائمة مجتمعة غير ملزم التطبيق، وبذلك سلب حق الدول المنتخبة باستخدام الفيتو فجانبه الحق والصواب، وأصبح شكلا مكملا للياقة المزيفة.
إن غاية المجلس منذ تأسيسه كما أكدتها صياغة الميثاق والتجارب جلب مصالح الأقوياء وليس درء المفاسد التي تصيب الضعفاء، ولا مساعدة البشرية لتجاوز محنها. والدليل أن روسيا ترفض فتح ممرات آمنة للمعونات الإنسانية في سوريا منذ ثلاث سنوات وهي حق إنساني ملح بعد تهجير الملايين وحصار المدن وقتال الشوارع مساندة لحليفها المستبد الأسد، وتطلب فتح ممرات آمنة لأنصارها شرق أوكرانيا وهم لا يعانون 1 % مما يعانيه السوريون، ولم يمض على معاناتهم إلا أسابيع، وأمثلة تكرار استخدام روسيا للفيتو في القضية السورية، واستخدام أميركا المتكرر للفيتو لصالح إسرائيل غني عن التعريف. حتى قال خبراء في الأمم المتحدة معنيون بحقوق الإنسان، إن قرار مجلس الأمن بعدم عرض الحال في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية بفيتو روسي، يترك الباب مفتوحا لفظائع جديدة في مناطق أخرى، فأين درء المفاسد التي لم تحدد مقاصدها من جلب المصالح وما أكثرها؟ وتسود العالم اليوم حملات الاحتلال والغزو والظلم والقهر والقتل، ويعجز مجلس الأمن عن تقديم الوفاء بالتزامه والنهوض بمسؤوليته.
ومن قواعد الفقه العربي الإسلامي المندرجة ضمن قاعدة لا ضرر ولا ضرار: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بمنع المفاسد قبل وقوعها احترازًا، ومعالجة آثارها وإزالتها، والمفسدة: فعل يحصل بوجوده الفساد والضر للحياة دائما وغالبا، وعد الإمام الغزالي المصلحة بالحفاظ على المقاصد الخمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وما يفوتها مفسدة دفعها مصلحة. وعد المنفعة: اللذة ودفع الألم وما كان وسيلة إليهما، وهي عامة: لصلاح الأمة والجمهور، كحفظ المتمولات من الإحراق والإغراق؛ ففيها مصالح يستطيع من يتمكن الانتفاع نوالها وخصوصا كصلاح الأفراد باعتباره صلاحا للمجتمع، فالالتفات ابتداء بالأفراد، وأما العموم فحاصل تبعا.
ومراتب المصلحة ثلاث، معتبرة: حجة للقياس، فما أسكر من مشروب ومأكول يحرم قياسًا على الخمر. وملغاة: كحرمة الربا ولو بدا بابا للكسب. ومرسلة: لم يرد باعتبارها ولا بإلغائها نص، وبنيت عليها أحكام شرعية اندرجت تحت مقاصد دعيت بالمناسبة والمرسلة غير المقيدة، مطلقة بلا نظير محدد؛ لعدم التنصيص عليها وهي مدار الاجتهاد بدرء المفاسد، وحكمها السلف بقضايا كثيرة، صنفت بـ: مصالح تتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، لا يستقيم أمرهم بغيرها وهي الأقوى، كحفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ومنها امتناع الخليفة عمر عن توزيع أراضي الفتح في العراق أنفالا وتركها لأهلها. ومرتبة الحاجيات؛ ترفع الضيق والمشقة، تركها مجلبة للحرج، لكنها ليست ضرورية ولا يضطرب نظام الحياة بفواتها، ومرتبة الكماليات: كمحاسن العادات وسمو الأخلاق، وتجنب أحوال تأنفها العقول الراجحة.
ميثاق مجلس الأمن تلا ظهور الإسلام بأربعة عشر قرنا لم يراع ضرورات الحياة وتفصيلاتها ولم يخصص مقاصدها بل أعطى الضرورة لمصالح الدول العظمى وقياسها، ورعاها الفقه الإسلامي وخصصها بحفظ الدين والنفس والمال والنسل والعقل، ودرء مفاسدها، فحق بمجلس الأمن قوله تعالى: “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” محمد 23.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .