العدد 2058
الثلاثاء 03 يونيو 2014
هــل ستعيــد ســوريـــا التــوازن والاستقــــــرار للمنطقــــة؟ د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 03 يونيو 2014

من ينظر إلى الحالة السورية يصاب بالحزن والأسى وربما اليأس لثقل ما دفعه شعبها من ضحايا تقترب من ربع مليون شهيد ضريبة طلب الحرية والحلم بالعيش الكريم، يضاف إليها تدمير شبه تام للبنية التحتية، ما كان تحت الأرض وفوقها، ويشعر الناس بوكسة وخيبة آمل لموقف الدول العظمى المغذي لهذه الحرب الظالمة، سواء من كان يمد النظام الجائر بالعتاد والسلاح لقتل الشعب، أو يدعمه في مجلس الأمن ويحميه بتعطيل صدور قرارات تسهم إيجابا في وقف نزيف الدم كما تفعل روسيا والصين أو إيران والعراق وحزب الله الذين يسهمون بإرسال مقاتلين وخبراء وتوفير الدعم المالي والتغطية السياسية والإعلامية، أما الدول الغربية التي باستطاعتها التدخل لوقف عدوان الجزار الأسد على شعبه، سواء بحظر جوي للطيران، أو توفير أماكن آمنه للمهجرين داخل سوريا وإيصال المعونات الإنسانية إليهم، ولكنها تقف موقف المتفرج فهم يسهمون بشكل أو أخر بإدامة الحرب وسفك الدماء لغايات دفينة ومسؤولون تاريخيا وأخلاقيا عن صمتهم حتى لو ادعوا مساعدة المعارضة بسلاح محدود النوع والكم.
إن طول أمد القتال من دون حسم طيلة هذه السنوات، وتورط دول عظمى وإقليمية فيه مباشرة أو بالواسطة رسخ قناعات لدى السياسيين والمحللين العسكريين، أن ليس باستطاعة أي فريق ربح المعركة لصالحه ودحر الآخر، عكس من ينظر إليها نظرة تفاؤل بعد تضحيات الثوار الجسيمة وصمودهم، فهكذا حروب تنتهي دائما لصالح الشعوب والثوار، وأتوقع سنفاجأ بما لم يدر بخلد الكثيرين، فالحرب السورية أصبحت حرب استنزاف وخسران لكل المشاركين فيها باستثناء الثوار الحقيقيين فقضيتهم قضية كرامة وحياة، ويستندون إلى عطاء شعب استمات في الحصول على حقه في الحرية والعيش الكريم، على عكس النظام فيستنزف موارده المحدودة، وتركيزه على محاصرة مدينة ومنطقة واحدة وتجويعها وقصفها بالبراميل المتفجرة والطيران ليستعيدها على الأرض ويخسر أهلها، ثم لا يتمكن من الحفاظ عليها والسيطرة على أطرافها دليل ضعف لا قوة، فليس باستطاعته أن يفعل أكثر من ذلك، وسينهار فجأة وكل آت قريب.
حرب الاستنزاف لا تقتصر على قدرات النظام وحده بل وقدرات الدول المساندة له أيضا، فإيران لم تعد تحتمل تدهور اقتصادها وتراجع شعبيتها سياسيا على حساب دعم الاقتصاد السوري، مع الاستمرار بمساعدة حزب الله والحوثيين مهما كابرت، وقدمت وستقدم تنازلات في مشروعها النووي لترضي الغرب ولن تحصل منه على شيء ملموس، وفقدت علاقات حسن الجوار مع دول الخليج والدول العربية وتركيا الذين فقدوا الثقة بسياساتها وأصبحت بالنسبة إليهم دولة معادية، وستقتنع أن حصاد ما تقوم به من تأجيج لنار الفتن وإثارة الخلافات والضرب على وتر الحرب لا يؤول إليها إلا بالخسران المبين ولو بعد حين، وليس لدى لبنان والعراق النفس الطويل لمد نظام الأسد بأكثر مما قدموا بعد أن صاروا يكتوون بنار الحرب ويمتد سعيرها إليهم، وهم أنفسهم لا يطمئنون إلى الأسد اطمئنانا كاملا. وروسيا هي الأخرى استنزفت سمعتها السياسية وبمجرد أن تشعر بتراجع الدعم العراقي والإيراني للأسد ستتراجع وتتخلى عن مواقفها المتشددة وتترجل عن جوادها اضطرارا فليس لدى الأسد ما يقدمه لها.
وخسر حزب الله اللاعب القوي في دوران رحى المعارك في سوريا أحضان الحكام العرب السنة الدافئة التي كانت مفتوحة له باسم المقاومة عن حسن نية بعد اتضاح مصادره وتطلعاته الطائفية المتطرفة، وفضحت سريرته، وأن ولاءه المطلق لإيران كتابع ليس إلا، وصار بنظرهم من قوى الإرهاب، وفقد في الوقت نفسه حماس الكثير ممن كان يلتف حوله من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان ودول المنطقة، وبدأ زخم تأييده يتراجع نتيجة الخسائر البشرية التي قدمها مجانا دفاعا عن نظام علماني ظالم لا تجمعه بما كان يعلن من أهداف نبيلة وإنسانية جامعة. ولذلك كله سيأتي اليوم الذي سيهزم فيه الجمع ويولون الدبر.
أما الثوار المقاتلون فقد اكتسبوا مناعة ضد الحرب وأهوالها واقتنعوا أن الصراع بينهم والتناحر على السلطة ليس بذات جدوى، فبمجرد انتصارهم سيلقون السلاح ويخلدون للهدوء والسلام، وستكون سوريا بإذن الله عامل توازن واستقرار في منطقة نبذت الطائفية، وستثمر التضحيات الجسيمة سلاما وأمنا للمنطقة بأسرها، فنصر الله قريب ولا ييأس من رحمته إلا القانطون.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .