يقول المثل: “حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدق فلا عقل له”، لكن في الزمن الرديء والمساومات على الثوابت، ممكن أن تجعل الأسود كالأبيض، والأبيض كالأسود، وإلا، أليس غريبا أن تجري الانتخابات العراقية بظل حصار مدن كبيرة كالفلوجة والرمادي وتهجير الملايين من محافظة إلى أخرى، وإغراق غرب العاصمة بمياه السدود بقصد تعطيل سكنتها عن التصويت لتتضاعف أصوات كتلة برلمانية على حساب أخرى؟ أليس من الطبيعي أن يسهل التزوير والتدليس في مثل هذه الظروف، وتكيف النتائج وفق أهواء المتنفذين ممن بيدهم السطوة والمال، ويتسلل الدكتاتور إلى القمة تحت الغطاء الطائفي، وغلبة مكون على حساب آخر بالقهر والمكر؟ فكيف حظيت انتخابات كهذه بمباركة الدول العظمى والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي المتحضر، فما هو اللامعقول بعد اليوم؟
ولا مشاحة ولا جدل بأن الدستور العراقي لغم بأسس إثنية، تخدم أجندات خارجية تثير الفتن بين مكونات الشعب وتكرس التقسيم الجهوي والعرقي والمذهبي، وتجارب الانتخابات الحالية والسابقة تؤكد هذا المنحى الخبيث، الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب والسنة في الغرب والوسط. وقد سلب الاصطفاف الطائفي والعرقي الألباب ولم يعد من المحتمل أن ينتخب الكردي مرشحا عربيا، ولا أن ينتخب السني مرشحا شيعيا، أو بالعكس، وإن حصل فشذوذ لا يقاس عليه. في غمرة الاستقطاب الإثني، وسيادة قانون الغاب “انا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب، فقد يتصارع الشيعي مع الشيعي، والكردي مع الكردي والسني مع السني، أثناء الحملات الانتخابية وعلى المكاسب البينية ولكن عند الجد، يصار إلى التخندق، فيصطف الشيعي مع الشيعي، والأكراد مع بعضهم، وكذلك العرب السنة، وتضيع اللحمة الوطنية بين المكونات الثلاث، وكل منهم يشكل رقما صعبا، لا يسمح لمكون واحد حكم العراق بمفرده ولي ذراع الآخرين إلا بثمن باهظ لا يحتمله، ولا تلتقي المصالح ولا تنسجم المآرب عند اشتراكهم معا في حكومة توافقية، وتغذي الأطماع الإيرانية والتدخل الأجنبي التخندقات، وهكذا نجد العراق يتراجع من سيء إلى أسوأ، بغياب اللحمة الوطنية التي كانت طاغية بين العراقيين قبل الاحتلال.
لقد كان العرب السنة قبل الاحتلال عنصر التوازن الرابط بين المكونات، وحزام الأمان، يربطهم المذهب السني مع أكراد الشمال، وتربطهم العروبة مع شيعة الجنوب فهم لحمة التوافق الوطني ولو في الحد الأدنى. وبعد الاحتلال انفرط العقد بتدخل قوى الاحتلال، وأشاح العرب بأنفسهم عن العراق كي لا يتهموا بأن لهم يدا في الغزو ويلاموا، ولم تكن لهم سعة أفق تتخيل ان الفراغ الذي يتركونه سيفسح المجال لقوى معادية تملؤه على حساب أمنهم القومي، وكانت إيران جاهزة ومؤهلة لدس انفها وسمومها لترسيخ نفوذها الاستخباراتي والأمني بسرعة، ووجدت لها مسوغا طائفيا وموطئ قدم، بينما فقد العرب عمقهم الاستراتيجي وابتعد العراقيون العرب السنة عن أحضان محيطهم العقائدي والقومي فهل أدرك العرب خسارتهم وعضوا أناملهم ولات ساعة مندم.
يواجه العرب الأصلاء اليوم في العراق مأزقا معقدا لا يحسدون عليه بعد ان خذلتهم نتائج الانتخابات، التي صممت سلفا لخنق أنفاسهم، فهم اضعف المكونات، ليس لهم قطعات عسكرية ولا مليشيات كالشيعة والأكراد، ولا يوجد لديهم سلاح غير سلاحهم الشخصي، ويخوضون المعركة منفردين بلا ظهير عربي، فالحكومات العربية تخشى الاصطدام بالصديق الأميركي، وتتهيب الغول الإيراني، وتترك فرصة المساومة على المصالح لأميركا وإيران، ترك العرب إخوانهم العراقيين السنة بين نارين تجاذبهم أطماع الأكراد شمالا يريدون اقتطاع كركوك ومنابع النفط وأجزاء من نينوى وديالى، وتطلعات إيران تدفع بمليشيات أنصارها للسيطرة على بغداد وتطهيرها طائفيا، وقضم مناطق ديالى وصحراء الأنبار ليصلوا إلى سواحل لبنان.
عرب العراق السنة وثوابتهم الدينية والقومية والوطنية اليوم معرضة لخطر جسيم، وأوراق اللعبة السياسية تملي عليهم إما التعاون مع الكتل الصغيرة، الأكراد والصدر والحكيم وتسليم كركوك وأجزاء أخرى للكرد، والقبول برئيس ربما أسوأ من المالكي كأحمد الجلبي أكبر دهاقنة الخيانة، وباقر الزبيدي أبودريل، والروزخون علي الأديب، ومسيلمة الكذاب إبراهيم الجعفري، أو تسليم رقابهم للمالكي، وهي خيارات أحلاها مر علقم، وإذا تأخروا، سيبادر المالكي بمنح الأكراد ما امتنع العرب السنة عن منحه لهم على أن يظفر برئاسة الوزراء، والظاهر “سنتوه بين حانة ومانة ونحلق لحانا”.