يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: “الناس متشابهون بالفطرة مختلفون في الاختيار” كلنا بشر أبناء آدم وحواء، وإنما يختار كل منا لنفسه طريقا يميزه ويختلف فيه عن الآخرين، والإنسان السوي حر باختياره، ومن شأنه أن يختار ماذا يريد أن يكون، وكيف يكون ولِمَ ومتى وأين، فإذا لم تكن تعرف الجهة التي تتجه إليها وتقصدها فإن كل الطرق أمامك مفتوحة، وبالنهاية لن تصل إلى شيء، فأنت لا تعرف بغيتك كي تخطط لها، باختصار النجاح في الحياة نقصده ونخطط له، ومن جد إليه وفيه وجد، ومن سار على دربه وصل، أما الحظ والصدف والهبة إن حالفت غيرك أو حالفتك مرة في حياتك، جانبتك وخذلتك مرات، وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، وعلمتني دراستي للإدارة وتطبيقاتها من لم يخطط للنجاح فقد خطط للفشل سلفا، وكيف يخطط لحياته من لا يعرف ماذا يريد؟ فأنت لا تسأل عني إلا إذا كنت تعرفني.
لقد غبن الزمن منا أجيالا لم يعلمهم أحد كيف يجب أن يفكروا وماذا يريدون في الحياة؟ وإلى ماذا يطمحون؟ ليخططوا لها مبكرا، ولذلك لم تكن حياتنا من اختيارنا، وإنما كانت الفرص هي التي تختار سواء اختار لنا أولياؤنا أم دولنا، ومن لم يخطط لحياته ترك الآخرين يخططون له شاء أم أبى، ومن عمل فيما لا يرغب ولا يريد فقد عنصرا مهما من عناصر الإبداع، ولن يأتي بجديد، يقول الرافعي في وحي القلم: “إذا لم تزد شيئا على الدنيا كنت زائدا على دنياك” فأنت موجود يستهلك الهواء والماء والغذاء، ومع ذلك لا ينبغي لنا ان نقنط، بل أن نفكر في مستقبل ما بقي لنا من أيام، وأن نعلم أبناءنا منذ الصغر التفكير فيما يرغبون وتحديد أهدافهم بأنفسهم ولاسيما قبل الجامعة، فتغيير مسار العمل بعد الجامعة خسارة، ولا بأس أن نساعدهم كيف يحددون أهدافهم؟ وكيف يخططون لتحقيقها؟ لا أن نختار لهم، وبدلا من أن تطعمني سمكة علمني كيف اصطادها؟
ولا أخفي ألمي حين أسأل طلابي وهم على أبواب التخرج إن كانوا يعرفون ماذا يريدون وما هي طموحاتهم وأهدافهم في الحياة، وإن كانت لديهم رؤية مستقبلية، فيتلثعم أحدهم ويتعثر ويقف حائرا لا يحسن الإجابة، وكثيرا منهم يطلب الوظيفة ويتمناها ليعيش بضمان الدولة ولو على الكفاف، وليس لهم الجرأة على المبادرة والتخطيط لحياتهم، ومنهم من يزدري الغنى لكي لا يقع في المعصية، ويستغرب حين أتلو قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي” كما رواه مسلم، ويجهل الحديث الشريف: “ولأن تتركوا أولادكم أغنياء خير من أن تتركوهم عالة يتكففون الناس” ولا يعرف كيف ستكون استراتيجيته في التخطيط، وهل يخطط للأمد البعيد أم القريب؟ للهدف الكبير أم الصغير؟ وهذا يدل على مدى اعتماد أبنائنا على أسرهم في التفكير، وقلة ثقافتهم بشؤون الحياة، وضعف ثقتهم بالنفس وضرورة الاعتماد على أنفسهم.
أبناؤنا لا يدركون أن أعمارنا مهما طالت قصيرة، والوقت كحد السيف إن لم تقطعه قطعك، وعليهم أن يجتهدوا في التخطيط للأهداف الكبيرة والعظيمة، ويسعوا لتحقيق الأهداف الفرعية والثانوية في الطريق. ولذلك من الضروري أن يكون تخطيطهم الاستراتيجي للأمد الطويل الذي لا يقل عن عشرة سنوات، فمن يخطط لعشر سنوات قد يحقق 70 - 80 % من مآربه أما من يخطط لعشرين سنة فقد يتجاوز إلى 150 -200 %، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.
ويجب ان يفهم شبابنا أن من يريد الرفاهية والغنى ينبغي أن تكون الوظيفة لديه مرحلة لاكتساب المهارة والخبرة والمعرفة والاعتماد على الذات، الطبيب الاختصاصي والمهندس المبدع، والإداري الناجح إن لم يكن لديه ما يساعده على العمل الخاص عند تخرجه، عليه أن يخطط بعد عشر سنوات أن تكون لديه عيادة خاصة وشركة مقاولات، ومؤسسة يديرها، وأن يفكر العامل الفني في فتح ورشة باختصاصه، يوسعها سنة بعد أخرى ولا يجعل الخدمة حتى التقاعد ديدنه، تشير الدراسات الى أن 25 % من الموظفين يتوفاهم الله قبل التقاعد و50 % يعيشون آخر العمر عالة على أبنائهم، و20 % مفلسون او مدينون لغيرهم وفقراء، و4 % فقط من هم بحالة جيدة و1 % حصرا مرفها وليس غنيا. فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، هذا ما ينبغي ومن يزرع للمستقبل يحصد.