كم كنت أتمنى أن يحكم المالكي العقل والموضوعية، ويتعامل مع تظاهرات المحافظات العربية السنية واعتصاماتها بصدر رحب وقلب مفتوح، ويشد لحمة الأخوة في الدين الرابط الأقوى الذي يجمع السنة والشيعة والأكراد، فنسبة المسلمين 96 % من مجموع الشعب العراقي، والله يقول: *إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* وشعار الإسلام السلام، أما العنف فلا يولد إلا العنف، وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين، وقد جرب المالكي حظه يوم أمر بفض اعتصام الحويجة بالقوة بحجة وجود إرهابيين بين المعتصمين، فخلف 200 شهيد وجريح، ولم يقبض على إرهابي واحد من القاعدة، ولكن نصب الكمائن وقتل أفراد الجيش وقوات الأمن تصاعد بدافع الثأر للشهداء، واشتدت حدة التفجيرات، لقد فتح المالكي على الشعب العراقي بوابة عنف خلفت أرامل وأيتاما وثكلى ودمارا وأحقادا وضغائن، كان العراقيون بغنى عنها، ولم يستوعب الدرس، فالأنانية والتمسك بالمنصب ومحاولة كسب أصوات الناخبين دفعته إلى تأجيج العنف الطائفي فأعلن حملته على الأنبار من كربلاء بدق إسفين الثأر والاقتتال بين الإخوة، فمن هو الإرهابي؟
لم يكن أبناء عشائر الأنبار إرهابيين ولا من القاعدة، بل هم من حارب الإرهاب والقاعدة وأخرجوا فلولها من بينهم وكبحوا جماحها حينما عجزت حكومة المالكي والجيش الأميركي عن ذلك، والعرب السنة في العراق والسعودية والأردن واليمن والمغرب والجزائر وتونس هم المتضررون من القاعدة وهم من يتصدون لها، أما من يغذيها بالسلاح ويأوي أعضاءها، وله علاقات حميمة معها هم الإيرانيون ونظام الأسد بشهادة المالكي نفسه، والمالكي هو المسؤول عن ملف حفظ الأمن في العراق ويتولى قيادة القوات المسلحة والدفاع والداخلية والأمن، ولم يكن على قدر المسؤولية، ويتحمل وزر عودة القاعدة بعد أن أخرجها الأنباريون، فلم يستطع حماية الحدود والبلاد من شرورهم وأخفق بذلك.
العنف يولد العنف والحلول الأمنية هي التي تدفع المعارضة إلى حمل السلاح كما حصل لنظام الأسد حين أفرط في استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين، واليوم يتكرر المشهد في العراق! فالجيش الذي من واجبه حماية المواطنين سخره المالكي لقتل المواطنين ووضعه في دوامة العنف مع المواطنين وجها لوجه، فأبناء الشهداء وإخوتهم من العشائر يتمسكون بقيم القبيلة التقليدية ويثأرون ممن قتل ذويهم، وحينما تقصف مدفعية الجيش عشرة جوامع وتدمرها في يوم واحد خلال ساعتين في الفلوجة هو قصف متعمد وراءه نزعة طائفية، يكون الرد، وهذا ما حصل في اليوم التالي، اختطف عشرات الجنود وقتلوا، وفجر موكب عرس ومطعم شعبي شمال وجنوب بغداد واغتيل ضباط ومسؤولون.
عنف الحكومة أقسى من عنف الأفراد، ويدفع المظلومين والمستضعفين شيبا وشبابا، نساء ورجالا إلى الرد عليه بالعنف، بلا وعي ولا تفكير، المالكي جعل العراقيين غرماء بينهم وجعل بلدهم مسرحا للقتل، المليشيات تداهم وتعتقل وتقتل، والجيش يقتل ويدمر، والشرطة تغتصب وتبتز، والقضاء يعدم، والأحكام تنفذ بلا رحمة، الموت المجاني أصبح لعبة وهواية بين الغرماء، لا يعرف القاتل لماذا يقتل! ولا القتيل لماذا قتل! ماذا يعني أن تفجير مجلس عزاء، وموكب عرس، ومقهى شعبي، وجامع وحسينية وكنيسة ومدرسة وسوق، غير القتل من أجل القتل؟ فالرؤساء من أمثال الأسد والمالكي هم من جلب الإرهاب وغرس العنف الطائفي والعنصري وارتكاب المجازر وزعزعة الأمن، وكان على المجتمع الدولي أن يقف بوجههم بحزم ويحسم أمرهم، ويخلص العالم من شرورهم ويجعلهم عبرة لغيرهم ممن يتمسكون بالسلطة على جثث الضحايا وأنهار الدماء.
تدمير الفلوجة بالبراميل العمياء المتفجرة، واقتحامها بقوة السلاح، على وقع أهازيج مليشياوية طائفية تنزع عن الجيش هويته الوطنية، وصفته المهنية، مما يوسع دائرة العنف أكثر، ويزيد من سفك الدماء، ويفتح حواضن للإرهاب، لأن الحكومة التي هي اقدر على ضبط النفس تورطت بالعنف وفقدت زمام أمرها، فما بالك بالمواطن الذي يريد الثأر لأخ وأب شهيد قضى بلا ذنب، أو مغتصبة دنس شرفها وأضحى الموت أحب إليها من الحياة، وشاب شيد بيته بعرق الجبين وتعب اليمين يريد أن يشفي غليله ممن دمر أحلامه. ومهجرون دفعهم سغب العيال إلى التسول بذلة لسد رمقهم وكل يود الثأر لكرامة هدرت. وتبقى إثارة الفتنة في الأرض اشد من القتل، فهي نائمة لعن الله من أيقظها.