أذكر جيدا ما قلته للسيد غازي الياور أول رئيس جمهورية للعراق بعد الاحتلال، وهو من عرب الموصل السنة، في رمضان 1424 هـ، الموافق نوفمبر 2004 يوم دعا لفيفا من العراقيين في البحرين للتحدث إليهم، وأقام لهم إفطارا في قصر الصافرية حيث كان ضيفا على عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وكانت القوات الأميركية تحاصر الفلوجة بعد فشل اقتحامها في المعركة الأولى في مارس وأبريل 2004، فأعدت العدة لحصارها واقتحامها ثانية، فضاعفت قواتها سبع مرات وحشدت 20 ألف جندي مع كتيبة بريطانية، مقابل نحو ألف مقاتل كانوا متحصنين داخل المدينة.
تحدث السيد الياور ساعة، وكنت أول المتحدثين من الجالية العراقية ومما قلت: «كنت أود أن أسمع حديثا غير الذي سمعت، بيننا وبينكم الفلوجة تاج العراق، والأميركان يحاصرونها، وأنا من الأنبار ونعرف بعضنا، اقتحام الفلوجة يعني علينا وعلى أعدائنا»، وكلام آخر، وبعد صلاة المغرب صافحني وسحبني من يدي جانبا ليقول لي: لم يعد أحد في الفلوجة، أهلها تركوها فلا تخشى عليهم، فأجبته بقي الرجال، ولا يقف مع الرجال إلا الرجال، فأحرج وكان وزير التجارة سلمان الجميلي قريبا منه فوضع يدي بيده ليكمل معي الحديث ويتخلص من الإحراج.
قاتل الرجال في الفلوجة قتال المهاجرين والأنصار دفاعا عن الشرف والكرامة، وكانوا وكنا نعرف أن جيش الاحتلال بالعدد والعدة التي لديه سيقتحم المدينة أولا وأخيرا، ولكن لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم، اقتحم الغزاة الفلوجة على جثث الشهداء، بعد أن دفعوا الثمن أضعافا، فهل استقر الأمر للمحتلين؟ أم خاضوا في الأنبار حروبا جعلت الرئيس بوش يفقد الثقة بقواته؟ فلجأ يسترضي بعض الشيوخ من ضعاف النفوس بالمال وشكل منهم الصحوات، ليمهدوا لجيش الاحتلال الخروج، وظلت الانبار تدعى بين الجند الأميركيين بـ «مثلث الموت» لما أصابهم فيها، وبعدها لم يجلس الياور على كرسي رئاسة الجمهورية ثانية، مثله مثل أياد علاوي رئيس الوزراء، ولن يهنأ بمنصب من ناصب الفلوجة العداء وأسهم باقتحامها عنوة.
منذ سنتين والأنبار تتظاهر وتعتصم احتجاجا سلميا على استبداد المالكي وتفرده بالسلطة، وتهميشه وإهماله للعرب السنة، وجوره وجور مليشياته عليهم، لم يستجب المالكي لنداء العقل، وفض الاعتصام بالقوة، وحاصر بجيشه المدينة طيلة أربعة أشهر مضت، ليجوع أهلها ويهجرهم انتقاما، لكن الصبيان ممن عايش المعارك مع المحتل كبروا، وأصبحوا شبابا، وهم اليوم يذودون عن كرامة وشرف مدينتهم، هم يعرفون جيدا أن جيش المالكي وزمرته الطائفية ستقتحم البلدة، لكنها ضريبة الشرف، ويعلمون أن المالكي استعدى أميركا وأوروبا على أهل الفلوجة بفرية الإرهاب، واستغل المعركة لكسب أصوات الطائفيين في الانتخابات، وبحجة محاربة تطرف القاعدة وداعش حصل على السلاح والطائرات ودعم لوجستي مخابراتي من دول الغرب التي تصمت رغم قساوة العدوان الذي يطول المدنيين، فعسكر السلطان يقصفون المدينة بالطائرات ويرجمونها بالمدافع، ويسقطون عليها البراميل المتفجرة، مستعينين بميليشات بعض الأحزاب، ورجال بعض الحوزات، والمرتزقة الإيرانيين، ولكن، ماذا بعد اقتحام الفلوجة؟
لست مع العنف، وأكره القتل والدم، وأجرم القاعدة وداعش، وأدعو لوحدة الصف والتآخي، والهدوء والاستقرار والتنمية، ولكن نعرف جيدا من هم أهل الأنبار، أكبر المحافظات العراقية مساحة، وعبرها تمتد الطرق الخارجية السريعة إلى سوريا والأردن والسعودية، وغاب عن المالكي أن سلوى العشائر العربية: ألا لا يجهلن احد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا، ليعلم العالم أن معركة الأنبار تبدأ باقتحام الفلوجة، كل شهيد في المعركة سيخلف ألف مقاتل من عشيرته، وكل دمعة أنبارية حرة ستتحول بعيون أطفالها حقدا ونقمة ورصاصا، وكل دار هدمت ستبقى ذكرى في رؤوس الصبيان والصبايا تنتظر الثأر، ولن تسكت المحافظات العربية السنية على ضيم إخوانهم الأنباريين، وستبدأ حرب أخرى من نوع آخر، وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.