مرّت الأيام الثلاثة المقررة لانعقاد مؤتمر حوار الحضارات على أرض البحرين بعدما شارك عدد من كبار قادة الرأي والدين من كثير من دول العالم ومن يمثلون الحضارات الحيّة على الكرة الأرضية، في تلاق جميل تجاورت فيه الأديان والأفكار، وطرح على المنصة ما طرح، وتجاذبت من الأحاديث أطرافها في الردهات والجلسات وعلى طاولات الطعام، وهذا التفاعل المحمود هو واحد من أهداف المؤتمرات المشابهة. فإذا ما سلّمنا (بحذر) بتقسيم صامويل هنتنغتون للحضارات كما ورد في كتابه “صراع الحضارات” الذي وضعه في منتصف تسعينيات القرن الماضي، فإننا أمام حضارات تمازج الديني بالفكري، ويفترض أن تنشأ صراعات بين بعضها البعض، خصوصاً تلك التي لها تاريخ تنافسي.
ولكن نظرية هنتنغتون سقطت بدويٍّ مشابه للدويِّ الذي ظهرت به، وما عادت تعنينا اليوم إلا من حيث كونها جزءاً من التاريخ البشري، ولأنها كشفت جانباً من التفكير الأميركي بالعالم، حيث يشير المفكر الأميركي في كتابه إلى أن الملوك والأباطرة كانوا يتصارعون فيما مضى، ثم صارت القوميات هي التي تتصارع، مشيراً إلى الحربين العالميتين، ثم انتقل الصراع إلى الأفكار والأيديولوجيات، ويقصد الحرب الباردة بين الفكر الليبرالي والفكر الشيوعي، وبعد انهيار الشيوعية، صار الصدام المقبل بين الحضارات، فما لم يقله هنتنغتون ان أميركا لا يمكنها العيش والنمو والإبداع إلا بإحساسها (أو خلقها لإحساس جماهيري) بوجود تحدٍّ يخل بكيانها، تحدٍّ يهدد وجودها، فإن لم يكن هناك مهدِّد أو عدو، اخترعت هي واحداً، والعدو الذي اختارته، أو اخترعته لهذه الفترة هو “الإسلام”، وإن لم تقله مباشرة في خطاباتها الرسمية، فإن أدبيات القريبين من هذا الفكر تشير إليه بوضوح.
من الملاحظات الأساسية التي يمكن أن تقال في هذا المقام، إن مؤتمر حوار الحضارات لا يقل في أهميته عن مؤتمرات التقريب بين المذاهب والأديان، فالحوار والتقريب ينطلقان من مبدأ واحد، وهو الجلوس بين المختلفين بشكل متحضر يتناسب مع القرن الحادي والعشرين، ليطرح كلٌّ وجهة نظره في القضايا الخلافية بشفافية، ويستمع بانفتاح للآخر. ليس المطلوب من أتباع المذاهب أن يقتنعوا وينتقلوا من هذه الضفة إلى تلك، ولا من أصحاب الأديان أن يتركوا دينهم ويعتنقوا ديناً آخر، ولا من أصحاب الحضارات أن يقرّوا بعظمة حضارة، أو بحقارة حضارة أخرى، فالأهم هو “التفهّم”، وليست الحوارات طريقاً ونهجاً لإيجاد هذا الفهم، ليعرف كلُّ طرف بواعث تفكير الطرف الآخر، يستشعر هواجسه ومخاوفه، يحاول أن يضع نفسه مكانه فيما لو كان هو الطرف الأضعف، أو الطرف المعاني من المشكلة، هل سيتصرف بشكل مختلف عن الطرف الآخر أم مؤتلف معه. وكما أن العالم يسعنا جميعاً، فالجنة أيضاً في مفهوم المسيحي أو البوذي أو المسلم أو اليهودي، وبمختلف طوائفهم ومذاهبهم تسع الناس جميعاً منذ أن خلق الله الإنسان، فلماذا يعتقد البعض أن الجنة كصالة سينما أو مسرح، مقاعدها محدودة، وبالتالي يُعمل القتل في الآخر حتى لا يزاحمه عليها؟! لماذا لا يعمل معتنقوا الأديان على مكانتهم، ويجهدوا جهدهم من غير أن يُقصوا الآخر، أو يضعوا حدّاً لحياته وكأنهم بذلك قد أنهوا ديناً بأكمله؟! والسؤال لماذا ينهي بعضنا الآخر، أو يحاول تقسيم العالم إلى فسطاطين؟! فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة كما جعل الملائكة من قبل، ولما حدث نزاع أو قتال، وانتهت المسألة، ولكنها الإرادة الإلهية والاختبار السماوي، وكم سيكون علينا من جهد لكي نسيّر الحياة على الفطرة السليمة وليست الفكرة العقيمة.
والملاحظة التي يمكن أن تطرح في مسألة المتحاورين، هي نفسها التي طرحت في هذه الزاوية من قبل بالنسبة للمقرِّبين، وهي أن من يحضر هذه المؤتمرات هم المؤمنون بالتقريب والتحاور، وليسوا من هم ضدهما، وهذا يعني أن أصل المشكلة أنهم لا يزالون بعيدين عن مجريات ما يطرح في القاعات، ولا يتمازجون أساساً مع هذه الأطروحات، بل ربما يخافون، أو يدّعون أنهم يأنفون ويترفّعون عن حضور هذه الفعاليات الكبرى، بداعي الخوف من المواجهة، أو الانكشاف، أو بطلان الحجة، وهذا يعني أن يظل المتفقون متفقين، سواء في الحوارات أو في عدمها، ويبقى الحال على ما هو عليه إلى أبد الدهر.
وأزعم أنه لكي ينجح أي حوار يذهب المرء ليطرحه على الملأ، لا يمثل فيه نفسه بل يمثل من يأتي من وسطهم، ومن ينبثق عنهم، أنه لابد أن يكون قد حصل على ما يقترب من الإجماع أو ما يشبه التفويض، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بأن يكون هذا الوسط قد خاض حواراته الداخلية، وتفاهم وتفهّم وجهات النظر المختلفة، واختلف من دون احتراب، واتفق من دون ضغط أو إكراه، وتوصّل إلى توافقات أساسية في النقاط المحورية، وعذر بعضه بعضاً فيما لم يجدوا له حلاً آنياً، أو اتفاقاً مباشراً. فالقول إن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه، قولٌ صحيح، وهو أساس في المحاورات التي تثبّت نقاط الاتفاق وتنطلق مجدداً للمزيد من التفاهمات والتفهّمات حتى تنجلي الصورة للجميع بشكل واضح.
أقول هذا لأننا في مملكة البحرين، وفي الكثير الكثير من دول “العالمثالثية” أساساً، نعاني من انحباس التحاور، لا نطيق عليه صبراً، لأنه ليس لنا بالحوار خبرا. لم نجرّبه حقيقة، ولم نتذوق نتائجه، فمجتمعاتنا أبوية، تريد أن يأمرها أحد وتطيعه، ويقول المصريون في أمثالهم، ما معناه، أن من ليس له كبيرا، يشتري له كبيرا! أي كأن لزاماً على المرء أن يخضع لسلطة أبوية تأمره فيأتمر، وتنهاه فينتهي. صدورنا ضيّقة على الديمقراطية وفعلها اليومي ونريد أن نطبّق الديمقراطية. فتربية تقوم على تلقي الأوامر وإطاعتها أنّى لها الحوار والتعاطي للوصول إلى التفهّم الذي هو رحيق الحوار؟!.