المحبة والمال والنجاح يتمناها المرء في حياته ويسعى إليها، ولا غنى له عنها، ترى لو خير أحدنا بين الثلاثة فأي أمر سيختار؟ من القصص المأثورة في تطوير الذات، أن امرأة أطلت من شرفة منزلها، فرأت ثلاثة شيوخ بلحى بيضاء لا تعرفهم في فناء الحديقة، فقالت في نفسها لعلهم غرباء عطشى جوعى! فعرضت عليهم الدخول ليأكلوا مما رزقهم الله، فسألوها: “إن كان رب البيت موجودا؟ فأجابت: إنه بالخارج، فردوا: لا يمكننا الدخول بغيابه.
بعد دقائق عاد زوجها فأخبرته بما حصل! قال: اطلبيهم، فدعتهم. فرد أحدهم: نحن لا ندخل المنزل مجتمعين، وأردف قائلا: هذا اسمه الثروة، وأومأ إلى أحد أصدقائه، وهذا النجاح، وأومأ نحو الآخر، وأنا المحبة، وأشار إلى نفسه، فاسألي زوجك من منا يريد: أخبرت المرأة زوجها بغريب ما سمعت. فغمرته السعادة وقال: حسنا، الثروة! لعله يملأ منزلنا بالثراء، فقالت الزوجة: لم لا ندعو النجاح؟ فابننا أحمد ينتظر نتيجة الامتحان، وعسى أن يجلب لنا اختياره بشرى نجاحه؟ غير أن زوجة ابنهم الشابة أسرعت باقتراحها قائلة: أليس من الأجدر دعوة المحبة؟ ليمتلئ منزلنا بالحب وهو الأحلى والأغلى في الحياة، فقال الزوج: لنأخذ بنصيحة زوجة ابننا! وليحل المحبة ضيفا علينا.
خرجت المرأة وسألت الشيوخ الثلاثة: أيكم المحبة؟ أرجو أن يتفضل بالدخول ليكون ضيفنا أولا، نهض المحبة وبدأ المسير نحو المنزل، فتبعه الآخران، وهي مندهشة! فاعترضتهما: لقد دعوت المحبة، فلماذا تدخلان معه؟ فردوا: لو دعوت الثروة أو النجاح لبقينا خارجاً، ولكن دعوت المحبة، فأينما يذهب نذهب خلفه، فإذا دخلت المحبة بيتا دخلت معها الثروة ودخل معها النجاح.
وقد يحصل الإنسان بجهوده على الثروة ولا يكون ناجحا في حياته، ولا سعيدا بحبه، والمثل العربي يقول: “يا آخذ القرد على ماله، يفنى المال، ويبقى القرد على حاله” وقد ينجح الإنسان مهنيا، ولا يحقق المحبة ولا الثروة، والمثل الشعبي الشائع “سبع صنائع والبخت ضائع” إلا المحبة فإنها تحتاج إلى الآخرين أولا، ومن نجح في حب الآخرين وحب الآخرين له، نجح في حياته وامتلك الآخر بحبه، فالمحبة كنز لا يفنى، “وإن فني الجمال بقي الجميل” فمن أكثر غنى وأرقى نجاحا من أن نحيا بين قوم نحبهم ويحبوننا، ونألفهم ويألفوننا، ففي الحديث الشريف: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فالمحبة تعاطف القلوب في ائتلاف الأرواح، فلا نجاح ولا فلاح بدءا من أعلى مستوى، الدول والشعوب إلى المؤسسة والمعمل والأسرة والبيت، إلا إذا تحاب الفرقاء بينهم، وشعر كل فرد أنه يكمل الآخر، فالمحبة تورث الوئام والتعاون الذي يثري المال وينمي الرزق وينشر الأمن والعدل.
وحين يفقد الإنسان المحبة لوطنه وقومه، يفتقدها في بيته ومع من هم حوله فإنه يعيش تعيسا في جحيم الخلاف والتنافر والعداء والصراع، وإن ملك الدنيا كلها؛ ومآله الإخفاق ولو بعد حين، فليس غريبًا أن يسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم: “دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فلا يمتلك الإنسان أغلى من: حبّ النّاس له، فالحبّ والمودّة الرابط القوي الذي يفتح أبواب الحياة. فكن ودوداً مع نفسك، ومع مجتمعك، فالمودّة ثروة القلوب، وطريقها الكلمة الطيّبة، التي تقود إلى الجنة.
أحسِن إلى النّاسِ تستعبدْ قلوبهمُ فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ..
أقبِل على النّفسِ واستكمل فضائلها فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ..
إن حرص الإنسان على التودد والتحبب ينبغي ان يكون بدافع الحرص على فتح القلوب وامتلاكها لقبول دعوة التصافي والعيش المشترك بسعادة وإن قلت الثروة. إن حسن الخلق ورقة الطبع والصفح والتصالح وحسن الظن والابتسامة، من أعظم أسباب المحبة إلى الناس، تزرع في القلوب المودة، ووصف صحابي الرسول الكريم: “ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم” قال تعالى: *وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ* البقرة 165.