العدد 2025
الخميس 01 مايو 2014
العراق.. وانتخابات عديمة اللون والطعم والرائحة د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 01 مايو 2014

تجري في العراق انتخابات نيابية يصح القول فيها إنها عديمة اللون والطعم والرائحة، حيث يتنافس نحو عشرة آلاف مرشح لانتخاب 320 عضوا لمجلس النواب، بمعدل تنافسي 40 مرشحا لكل مقعد، وهو ما يثير العجب والسخرية السوداء، لعدم حصوله في أي بلد في العالم! وهذا التهافت على مقاعد البرلمان لا يعكس تنافسا في المبادئ والسياسات إنما يعكس صراعا على مشاريع اقتصادية استثمارية ينشدها المتصارعون مستقبلا، في ضوء تجارب النواب السابقين الذين استحوذوا على مقاعد البرلمان قبلهم، مرتبات وبدلات ضخمة مغرية يفوق حجمها رواتب أي برلماني في العالم، وامتيازات بلا مقابل، سيارات مدرعة، وأخرى دفع رباعي، وحراس أمن يصل تعدادهم إلى أربعين حارسا شخصيا لكل عضو، وبدلات سكن بفلل ضخمة مؤثثة لمن له زوجة وأربع لمن له أربع زوجات، وقطع أراض بأرقى الأماكن، ومنح، وسلف، وسفرات، ومؤتمرات، وجوازات سفر دبلوماسية للأسرة، وحصانة قانونية من السرقة والفساد، وتقاعد خيالي طول العمر، وهدايا، وتأسيس شركات ومقاولات بأسماء الأقارب، ويضع المرشحون على الفوز آمالا في الربح الذي تترجمه المبالغ الضخمة التي يصرفونها على الدعاية والإعلان. ففقدت الانتخابات البرلمانية لدى العراقيين لونها وجوهرها بالتجربة، فالمرشح لا يحرص على مصالح الشعب وثوابت الوطن، بقدر ما تهمه حيازة المكاسب الشخصية والمادية منها حصرا.
سيقترع في الانتخابات واحد وعشرون مليون ناخب لن يتسنى لنصفهم وربما أكثر الإدلاء بأصواتهم في الظروف الاستثنائية التي تسببت الحكومة الحالية بإثارتها، حرب في الأنبار وتهجير لأهلها، ومليشيات طائفية تداهم المدن والقرى تقتل وتهجر في ديالى وبغداد وبابل، وتفجيرات وتبادل إطلاق النار مع قوى الأمن في نينوى، وصلاح الدين، والتأميم، وفيضانات بأطراف بغداد الغربية وضواحيها، وانتحاريون وسيارات مفخخة تتفجر بنواحي العاصمة والمدن المهمة، وعطش في المحافظات الجنوبية، وأربعة ملايين عراقي مهجر خارج القطر لم يتسن إلا لـ 5 % منهم التصويت في عواصم بعض الدول، نصفهم في إيران، وأصواتهم معروفة لمن ستكون! وفي ضوء صراع المرشحين بنسبة 40/1 يمكن الحكم مسبقا أن مجموع أصوات الكتل التي ستتشكل منها الحكومة القادمة لن يزيد عن مليوني ناخب بأقصى الأحوال، أي بنسبة 3 - 5 % من مجموع أصوات العراقيين، وإذا تجاوز العدد هذه النسبة فاحتمالات التزوير وتسويد البطاقات البيضاء كبيرة، مع الأخذ بالحسبان أن مجموع أصوات القائمة يمثل جميع الأصوات التي حصل عليها أعضاؤها مجتمعين، الفائزون منهم والخاسرون، وعندها ستكون حكومة شكلية غير شرعية لا تمثل إلا 5 % من خيارات العراقيين، وفقدت الانتخابات طعمها ولم يبق منها إلا ما هو باهت بلا ملح.
وبلغ مجموع القوائم والأحزاب والتجمعات التي ينتمي إليها المرشحون ثمانين قائمة، وبالتالي لن يحصل حزب أو قائمة على أغلبية معتبرة تمكنها من تشكيل الحكومة، وإنما بحسب مساومات ستتم بعد ظهور النتائج، والفريق الذي سيجمع أكبر التكتلات سيشكل الحكومة، وستنحى 80 % من القوائم الصغيرة جانبا، لتبقى بلا وزن، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ستتوحد خمس عشرة قائمة لتنال حق تشكيل الحكومة، فلنتصور كيف يمكن دمج خمسة عشر برنامجا مختلفا تماما ليستخلص منها برنامج قائمة واحدة موحدة، وكم سيصاب الناخب بالخيبة إذا علم أن قائمة مرشحه الذي انتخبه على أساسها قد شطبت وتغيرت. وأن برنامج القوائم التي ستتشكل الحكومة منها خليط ومزيج مهجن، وبذلك تفقد الانتخابات رائحتها الزكية ولا يبقى منها إلا ما يسيء.
وتؤمن غالبية العراقيين أن نتائج هذه الانتخابات لن تكون وطنية النكهة بفعل التدخل الأجنبي، أميركا وإيران اللاعبان الأساسيان في العملية السياسية ودول أخرى، ولذلك تجد العراقيين محبطين قبل الانتخابات وظهور النتائج، ولاسيما أن الانتخابات صممت مسبقا على أساس إثني طائفي عرقي يفرز عملية سياسية تفسدها المحاصصة، حتى لو جاءت بالتغيير المنشود، أما إذا فاز فيها حزب الدعوة والسيد المالكي، بفضل أصوات مليون من قوات الجيش والأمن يأتمرون بأوامر قياداتهم، وأصوات المجنسين الإيرانيين، وأصوات آلاف المساجين بالقهر، فبالتأكيد ستكرس الانتخابات الاستبداد الطائفي، والدكتاتورية والتفرد ما بقي المالكي على قيد الحياة، ومع قمة التفاؤل الحذر لن يكون القادم أفضل مما سلف. وستبقى حياة العراقيين سوداء، ما لم يغيب الموت وجوها كالحة قدمت مع الاحتلال، وما أكثر الموت المجاني في العراق.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .