كان اعتقال حماية وزير المالية الدكتور رافع العيساوي وهو أحد أبناء الأنبار وطبيب سابق في الفلوجة في ديسمبر 2012 القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد أعادت إلى الأذهان سيناريو اعتقال نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، والنائب محمد الدايني وآخرين فأيقن العرب السنة أن مسلسل تصفية رموزهم وقياداتهم واحدا تلو الآخر لن ينتهي، وأنهم كلما سكتوا عن واقعة تمادى المالكي وفاجأهم بأسوأ منها، وأن لا جدوى من الصمت، فما بعد الصبر إلا القبر.
خرج الأنباريون بتظاهرات عفوية سلمية حاشدة في مدينتي الرمادي والفلوجة بكثافة وعنفوان لم تشهدهما المدينتان من قبل، انضم إليها رجال الدين، والنائب عن الأنبار احمد العلواني المعتقل حاليا بعد أن قتل أخوه في مداهمة الشرطة لدارهما، وكل أطياف المجتمع من طلبة وعمال وفلاحين وكسبة وأبناء القبائل والساسة من جميع الاتجاهات، ومن الطبيعي في تظاهرات كبيرة كهذه أن ترفع كل مجموعة أعلام وصور رموزها، رفعت في التظاهرة صور الرئيس صدام حسين وعلم العراق السابق واللاحق وعلم كردستان ورموز أخرى، وهتفوا بسقوط النظام مما أغاظ السيد المالكي، خيموا خارج المدن على الطريق العام الدولي لأسباب لوجستية اتخذوا من احد الجسور منصة للخطابة واحتموا بالسواتر الترابية ومفارق الطرق من الرياح والأمطار، وبقيت الطرق الفرعية القديمة بين العراق وعمان ودمشق مفتوحة ولم يغلق من الطريق الدولي سوى خمسة كيلومترات.
لم يتأخر رد فعل رئيس الوزراء المالكي ولم يتمهل بمهاجمة المتظاهرين بشدة ووصف تظاهراتهم بالمشبوهة وشبهها بالفقاعة وبالنتنة تحركها أيد خبيثة متهما البعثيين ورجال النظام السابق وتوعدهم إذا لم ينهوا اعتصامهم فسينهون، متهما إياهم برفع شعارات طائفية تفرق لا تجمع، وهو ما دفع الناس في كل المحافظات ذات الغالبية السنية إلى التظاهر والاعتصام تضامنا وتأييدا للأنبار، تظاهرت بغداد وصلاح الدين ونينوى وديالى وكركوك ومدن متعددة في محافظات أخرى، وأصروا على الاعتصام فنصبوا الخيام في الميادين والفضاءات وقرب المساجد، وتدفقت عليهم وفود إخوانهم الشيعة ومشايخ المحافظات الجنوبية مؤيدة لمساعيهم، وبدأ السياسيون يلقون اللوم على المالكي لحدة تصريحاته وعدم تحكيم العقل والموضوعية، وبعد أن أثار الاعتصام جدلا كبيرا في أروقة السياسة العراقية والمجتمع ووسائل الإعلام العربية والعالمية؟ وأصبح الاعتصام يهدد دولة المالكي ووزارته بالانهيار. بدأ يرسل الوفود التي تضم ممثلين عنه ومتحدثين باسمه، ثم أرسل نائبه صالح المطلق فاستقبلته الجماهير بالحجارة رافضين استقباله بعد أن لمست الجماهير المعتصمة من كل الوفود السابقة المماطلة والتسويف والضحك على الذقون.
نظم المعتصمون أوضاعهم، أزالوا الشعارات الدخيلة ومنعوا الهتافات المغرضة، وحددوا مستشارين وخطباء يعتلون المنصات، وأصرت محافظات العرب السنة الست على الاعتصام السلمي المفتوح حتى تتحقق مطالبهم، التي حددوها في 14 فقرة أجمعوا عليها معا وبالواقع لم تكن مطالب لفئة دون أخرى بقدر ما كانت حقوقا لكل العراقيين، منها، إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين الأبرياء الذين لم تتم محاكمتهم، ومقاضاة منتهكي أعراض السجينات، وتغيير مسار الحكومة الطائفي، والتعامل مع كل مكونات الشعب على قدم المساواة، ونبذ الإقصاء والتهميش، وإلغاء المادة 4-إرهاب، وشطب قانون المساءلة والعدالة لاجتثاث البعث، وإيقاف عمل المخبر السري نهائيا، وتعديل الدستور والاعتراف بعروبة العراق، وإصدار عفو عام عن المحكومين أو إعادة محاكمتهم بمحاكم متخصصة ومستقلة.
ورغم اعتراف المالكي بأن بعض المطالب مشروعة وبين المتظاهرين وطنيون ألف لجانا لتنفيذ وعوده، أطلق سراح قلة من الموقوفين، ثم ألقى الكرة بملعب مجلس النواب المنقسم على نفسه ليسوف الحقوق بحجة عجز المجلس عن معالجة المطالب. استمرت الاعتصامات أشهرا، والمالكي يحاول كسب الوقت لعل اليأس يصيب المتظاهرين فلم يفلح، وبعد نحو ستة أشهر في نيسان 2013 اختارت السلطة اعتصام الحويجة أصغر تجمعات المدن بمحافظة التأميم، وأنذرت بأمر من المالكي ووزير الدفاع المعتصمين ثلاث ساعات لإخلاء ساحة الاعتصام بحجة وجود مطلوبين وأسلحة بينهم، وقامت قوات سوات والجيش والشرطة بعد منتصف الليل بالهجوم بإحراق الخيام وإطلاق النار في جريمة إبادة جماعية بترصد وإصرار، فقتلت 60 شهيدا و180 جريحا لتجعل من المخيم عبرة للآخرين، “إرهاب ورعب”، ولكن النتائج جاءت بعكس ما أرادت السلطة لتبدأ مرحلة جديدة من العنف نتحدث عنها لاحقا.