العدد 1879
الجمعة 06 ديسمبر 2013
اليمن.. المعضلة الحوثية وحصار دماج د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 06 ديسمبر 2013

من الغريب أن يعنى الإعلام الغربي بما يجري في اليمن، وينقل أخبار الحوار الوطني والصراع الدائر بين الأطراف المتنازعة، وحصار الحوثيين الخانق الظالم لمدينة دماج شهرين وبات يهدد وحدة اليمن وتماسكها فضلا عن حياة أهالي دماج، وتطالب الدول الأوروبية والأمم المتحدة والصليب الأحمر الحوثيين بفك الحصار، في الوقت الذي تصمت فيه الحكومات العربية، ويتغافل الإعلام العربي ويشيح بنفسه عن متابعة أخبار اليمن وأحداث هذه الدولة العربية ذات الأهمية القصوى التي تشكل بموقعها الاستراتيجي وعدد سكانها ومساحتها وتضاريسها عمقا للأمن القومي العربي، وأنها موئل القبائل العربية الأصيلة التي أبلت بلاء حسنا في الفتوحات ونشر الإسلام الحنيف، وظلت تتمسك بشخصيتها وتفرض إرادتها حتى على الخلفاء العباسيين، ففي اليمن مناطق بقيت عصية لم تحكم من غير أهلها ولم تستعمر على مر الأزمان، ولم يستطع العثمانيون من بين الدول العربية السيطرة على كل مناطقها، فاكتسبت اليمن أهميتها من ثقل مواقفها التاريخية يوم كانت تدعى بالعربية السعيدة.
في العصر الحديث ازدادت أهمية اليمن بسعة مساحتها وثقلها السكاني بالنسبة إلى الجزيرة العربية ودول الخليج وموقعها الاستراتيجي، حيث تزيد مساحة اليمن على ستمئة ألف كيلومتر مربع توازي مساحة العراق وسوريا ولبنان والأردن، وعدد نفوسها نحو 27 مليون نسمة توازي سكان دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، 99 % منهم مسلمون، 70 % على المذهب الشافعي، و30 % زيدية، وهناك أقليات صغيرة جدا من الإسماعيلية واليهود، وتطل سواحل اليمن على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وتتحكم بمضيق باب المندب، ولها نحو 200 جزيرة داخل هذه البحار، وتعد اليمن الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية في كمية السلاح التي يمتلكها المواطنون المدنيون. فأي انفلات أمني واسع وتطاحن قبلي سينعكس على أمن المنطقة كلها.
أما الخطر فيأتي من تدويل الصراع وليس تدويل الحل، وعلينا الانتباه الى أن اليهود يحتلون فلسطين ولكن عيونهم على اليمن، باعتبارها إرثا تاريخيا لأسلافهم، هناك عرش بلقيس وسليمان، وأقدم توراة لديهم في اليمن، وفيها أقدم المقامات اليهودية، وادعاءات أخرى ولإيران موضع قدم بفضل خروج الحوثيين على المذهب الزيدي وولائهم لإيران وحزب الله فأصبحوا بدعمهم دولة داخل الدولة، بل لهم سلاح وتنظيم يفوق قدرات الدولة، وجربت الدولة كبح جماحهم ست مرات ولم تستطع. واليوم يتحرشون بالدولة، بحصارهم لمنطقة دماج ذريعة لإفشال الحوار، وأملا بانفراط عقد الولاء لليمن الموحد وهي فرصة ليسيطروا على مناطق توسع نفوذهم ويستقلوا بها كخطوة أولى للسيطرة على اليمن كله، وإعادة حكم الأئمة وإحكام دائرة الطوق الإيراني حول منطقة الخليج.
مدينة دماج نسبة للوادي الذي تقع فيه لا تتجاوز مساحتها أربعة كيلومترات، وعدد سكانها 16 ألف نسمة، وتأتي شهرتها من وجود مركز دار الحديث الذي أسسه الشيخ مقبل الوادعي أحد مشايخ السلفية، ويدرس فيه أكثر من أربعة آلاف طالب وفدوا إليه من أنحاء اليمن لذلك يعدها الحوثيون شوكة في الحلقوم، تهدد دعوتهم وتفند حججها وتعيق توسعها وطموحاتها. ويريدون ترحيل أهلها وإخلاء المنطقة من الوجود السني، لذلك هم يهاجمونها بين آونة وأخرى ويحاصرونها فيقطعون الغذاء والدواء لوقوعها وسط نفوذهم ويأملون تخويف أهلها وترحيلهم لتبقى المنطقة خالصة لنفوذهم الطائفي.
الحوثيون يضعون أيديهم بأيدي الحراك الجنوبي الانفصالي الهادف إلى تقسيم اليمن إلى دولتين شمالية وجنوبية، فتقسيم اليمن يقوي مركزهم تجاه الحكومة المركزية ويحد من تفوق السنة الشوافع في النسبة  السكانية، ويزداد خطر الحوثيين إذا تعاونوا مع أنصار الرئيس السابق صالح القبلي الزيدي، فيصبح لكل منهم أطماعه التي تتقاطع مع وحدة اليمن وجمع شمل اليمنيين.
لكن الحوثيين يتفوقون لتمتعهم بتنظيم محكم وأنصار مدربين وسلاح يتدفق عليهم من إيران وحزب الله. وانهيار الحوار الوطني رسميا يعني تحرر الأطراف من التزاماتها وتعميم الفوضى، والصراع الداخلي أشبه بانهيار سد مأرب من جديد، وغرق المنطقة بدوامة العنف والاقتتال الأهلي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية