العدد 1737
الأربعاء 17 يوليو 2013
العراقيون أكثر الشعوب اختلافا وأعرقهم تحضرا د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأربعاء 17 يوليو 2013

 من إشكاليات الخطاب السياسي اختلافه بحسب موقع المتحدث، من داخل السلطة أم خارجها؟ من المؤيدين أم المعارضين؟ من الآمنين المطمئنين على أنفسهم أم المهددين؟ والرؤية العقلانية الواقعية هي التي تتعامل مع هذه المشكلات بوعي يصل بينها بلا تقاطع، وتتوافق فيه الذات والموضوع بلا تعارض، وأسمى اختبار للمثقفين في زمن التشظي والفئوية إدراك صيرورة مجتمعهم وحركة تطوره وارتقائه ليكسر عزلة الذات، وتحقيق الوحدة والتآلف في هيئة مخرجات حضارية تردم الفجوة وتضييق الفوارق بين السلطة والمعرفة، وأن يكون الإسهام بالكلمة الصادقة سعيا لإيجاد مخرج من الأزمات المستعصية التي قصمت ظهر المجتمع، لا أن يختزل نفسه في دائرة الأيديولوجيا الفئوية، فالمثقف من يتجاوز ذاته السلطوية ونرجسيته وينبذ شبقية التحكم والقمع، ولا يكون امتدادا لنهج التجبر.

الخطاب السياسي الواعي خطاب موجه منفتح يتفاعل فيه وعي التنوير والتغيير، وليس خطاب تخندق واجترار. دعونا نتفق مبدئيا أن العراق يضم أعراقا وطوائف عدة، عربا وأكرادا وتركمانا وأشوريين وأرمن، ومن الديانات مسلمين ومسيحيين وصابئة وأزيدية، ومن الطوائف سنة وشيعة، ويتوزع المسيحيون إلى كاثوليك وآرثدوكس شرقيين وغربيين، وهذا تعدد ينفي وجود أقلية بمفهوم الأقلية، فكلنا أقليات، ويفترض في هذه التعددية لا مكان للعصبية والطائفية، بعد تآخ عاشه العراقيون قرونا بلا حوادث، حتى اليهود حينما سفروا في أربعينات القرن الماضي كان تسفيرهم بقرار سياسي ومازالت أموالهم محفوظة.

ولنتفق أن كل الحكومات العراقية التي سبقت الاحتلال كانت وطنية، حتى لو افترضنا وجود وزير أو عسكري أو موظف كبير عميل، ولا تعني وطنية أي حكومة أنها لا تخطئ أو كانت حكومات ديمقراطية، فهي بالتأكيد ليست كذلك، وليس صحيحا أن بعض فئات المجتمع أصابها ظلم السلطة دون غيرها أو توارثته، فالظلم أصاب كل العراقيين وليس فئة واحدة، أصاب الشيوعيين والبعثيين والعلمانيين والقوميين والإسلاميين والمستقلين كلهم سجنوا وخضعوا للتطهير في مرحلة زمنية بالتناوب، ولم يسلم أحد، والقول إن الحيف الأكبر وقع على الأكراد أو الشيعة أو السنة ليس صحيحا، الحيف السياسي إن وجد أصاب السنة والشيعة والكرد وغيرهم، فهم مشتبكون داخل القبيلة الواحدة، وقد وزع ظلم الحكومات على الجميع، ومن الخطأ التصور أن الأكراد أصابهم الظلم أو الحيف؛ لأنهم أكراد، هذا كذب ودجل واستدرار عواطف، الظلم أصاب الأكراد الذين تمردوا على الحكومات وخرجوا على الدولة في كل العهود، هم ظلموا أنفسهم، وما كان الأكراد في الدول المجاورة أحسن حالا منهم في العراق حريات ومكاسب، ولم يقع عليهم ظلم اجتماعي، وليس هناك كردي واحد ضرب أو اغتصب أو سلب أو هجر من بغداد أو غيرها؛ لأنه كردي، العرب والأكراد عاشوا داخل المجتمع متحابين وليس بينهم ظلم اجتماعي أو نظرة دونية على اL062-160713 لإطلاق، بل جار الأكراد بعضهم على بعض في النزاعات داخلية بقيادة الطالباني والبرزاني أكثر مما نالهم من الحكومات، وليراجعوا أنفسهم ويخبرونا كيف اتحدوا اليوم.

أما مظلومية الشيعة المزعومة فكنظيرتها، لم يظلم شيعي واحد كونه شيعيا وإنما ظلم من خرج على سلطة الدولة ومنح ولائه للبلدان المجاورة، وهو في الأصل ليس عراقيا، والدليل أن كل الضباط الشيعة الكبار الذين في الجيش اليوم هم ضباط قبل الاحتلال، وغالبية الأساتذة والأطباء والمهندسين والمحامين الشيعة تخرجوا قبل الاحتلال وكلهم منحوا بعثات على حساب الدولة، اذكر جيدا أن كلية الطب قبلت عام 1998 أربعة عشر طبيبا دراسات عليا وجميعهم شيعة وحسب تسلسل درجاتهم ولم يكن للمحاصصة الطائفية والعرقية نصيب، حتى داخل حزب البعث كان الشيعة أكثر من السنة. ويعاني السنة اليوم المظلومية ويستصرخون الحمية العراقية ولم يظلمهم الشيعة وإنما ظلمتهم السياسة وظلمهم المحتل.

لينتبه العراقيون جيدا لم يكونوا يوما طائفيين ولا عنصريين، وإنما جاءتهم الطائفية والعنصرية مع الاحتلال ومع الساسة ذوي الأصول الأعجمية وحملة الجوازات الأجنبية ممن كانوا يتقاضون مكرمات دول الغرب، وهم من يسرق اليوم قوت الشعب العراقي؛ لأنهم لا يشعرون بوطنيتهم، ليس في العراق أسرة واحد ليس بينها تلاقح من سنة وشيعة وعرب وأكراد وتركمان، وأعرف الكثير من المسلمين تزوجوا بمسيحيات وأنجبوا منهن ولا مشاحة في الاختلاف وإنما في الخلاف، فمتى نستيقظ ونطرد الدخلاء القتلة الذين جاءونا في قطار الاحتلال ولم يسلم أحد من ظلمهم، ألم يحن الأوان بعد كل ما أصابنا منهم أن نتخلى عنهم؟ وإلا سيضيع الوطن منا جميعا، فليس منا من هو أحسن من الآخر، ولا يلق بنا ونحن أكثر الشعوب اختلافا، وأعرقهم تحضرا، وأشهدهم تمسكا باللحمة الوطنية، أن يجهل بعضنا على بعض أو يجور ولا نستيقظ بعد ما أصابنا في الزمن الرديء.  

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .