العدد 1736
الثلاثاء 16 يوليو 2013
الدم السوري بين الصلف الإيراني الروسي والدجل الغربي د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 16 يوليو 2013

يبدو أن ما يزيد عن مئة ألف شهيد ومليون مهجر خارج سوريا وخمسة ملايين داخلها ومئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين، وسنتين من الدمار الشامل لم تقنع الجزار الأسد بالرحيل، ولا العالم بمشروعية الثورة السورية وضرورة مساعدتها ورحيل  النظام الفاشي، وأن الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها الإنسانية بعد أن أصبحت الدول العظمى الممثلة بمجلس الأمن تتاجر بالدم علنا. وباتت تراوغ في الحق، وما اقتراح تأجيل مؤتمر جنيف2 إلى أيلول وإلحاقه بهامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلا تمييع للقضية في دوامة التأجيل والتدوير إلى غير ما نتيجة حاسمة، وهروب من المسئولية إلى الوراء، وترك السوريين بين نارين: صلف إيراني روسي، ودجل غربي، يضاف إليهما التهاون العربي.
في لقاء لوزير خارجية العراق السيد زيباري مع “الشرق الأوسط” بباريس، يصف المشهد والموقف حيال ما يجري في صراع الأقطاب، وهو في اعتقادنا لا يتحرى الصدق بقدر ما يتوخى بث اليأس في النفوس لصالح أصدقائه، فيتحدث عن غياب الإرادة الدولية لوقف المأساة. وعدم وجود رؤية لمعالجة الأزمة ووضع حد لها، وبقاء الدم السوري ينزف والدمار اليومي يستمر. وليرفع الوزير الحرج عن نفسه وحكومته إزاء الصلف الإيراني وامتداد سطوته يقع في مطب فقدان العراق لسيادته على أجوائه بقوله: أبلغت الغربيين أن العراق غير قادر على وقف عملية نقل السلاح من طهران إلى دمشق، وأدعوهم إلى إيقاف الجسر الجوي العسكري عبر العراق، إذا كان يخالف قرارات مجلس الأمن بمنع دخول وخروج السلاح من إيران وفق الفصل السابع.  وكأنه يلمح ضمنا إلى وجود تفاهم باطني بين أمريكا وطهران، وأن تدفق السلاح على النظام السوري قائم، ويضيف بدأنا عمليات تفتيش اعتباطية للطائرات الإيرانية والسورية. واكتشفنا مواد ليست “فتاكة” أدوية وأغذية، ويعقب بأمانة ربما تحمل غير ما ذكرت (يعني سلاح وحكومته حين نفت ذلك كاذبة).
ويذكر ليس لدينا وسائل ردع وأنظمة دفاع جوي ولا طيران عسكري يمنع نقل السلاح. والغربيون يعرفون هناك “ميوعة” في تطبيق الإجراءات الرقابية لأجوائنا؟ ويتنصل من المسؤولية بقوله نحن واقعون بين نارين: إيران الجارة القوية والصديقة، ونار حليفتنا الولايات المتحدة الأميركية. ومشكلتنا في كيفية المحافظة على حيادنا ولا ننجر لطرف، واعترف بوجود المليشيات وجهات مرتبطة بحزب الله وتنظيمات شيعية متشددة تساند النظام السوري عسكريا. ويوجه رسالة خبيثة حين يتكلم بلسان أصدقائه الروس بأن الحرب في سوريا حرب استنزاف إقليمية، تدار من وكلاء، والإشكال باختلال الدعم، فروسيا موقفها صريح واضح تدعم بكل أنواع السلاح، ومعها إيران وحزب الله، بينما الطرف المؤيد للمعارضة (ويغمز الغرب العرب وتركيا)، ليس لديهم الاستعداد بالمواجهة المباشرة، فيستعينون بوكلائهم، وعمليات سرية محدودة توفر معلومات استخبارية وبعض الدعم المالي. وليست هناك إمكان لتغيير النظام. وهو ما يريد تأكيده.
ويقطع أمل كل أمل بسقوط نظام الأسد، وكأني به عميل مزدوج يتكلم بلسان الروس والإيرانيين تارة وبلسان أوروبا وأمريكا أخرى، فيستبعد التدخل الأجنبي العسكري، ويرجح وجود تفاهم أميركي روسي خفي على بقاء الأسد حتى نهاية ولايته. واستبعد حصول اختلاف في الرؤى والمصالح بين سوريا وإيران بعد تسلم حسن روحاني مسؤوليات منصبه، واستجلاء آفاق السياسة الإيرانية الجديدة وانعكاساتها الإقليمية والسورية. وكم حاول الأميركيون والفرنسيون إبعاد سوريا عن المحور الإيراني ولم يفلحوا، ويخاطب الوزير الحكومات العربية المناوئة الأسد بدبلوماسية ليقطع الشك باليقين، أن أمريكا تواجه أزمة اقتصادية، وأوباما يحرص على الابتعاد عن التدخل العسكري لمبررات أميركية محضة، والأوروبيون عاجزون عن التحرك بمعزل عن الأميركيين، والدول الإقليمية المهتمة بالمعارضة السورية ووضعها الميداني غير قادرة ولا مؤهلة لأن تكون لها القيادة. وهناك فريق يعوزه “الكابتن” لقيادة التغيير والانتقال أو التسوية السياسية. والأزمة السورية تتعقد أكثر ولا أحد يملك السيطرة على الوضع الميداني.
ويختم القول بأن النظام السوري استعاد زمام المبادرة العسكرية في القصير وريف دمشق ومنطقة درعا، وحمص وحلب محاصرتان، وليست هناك ردود فعل دولية على تصعيد النظام العسكري واستخدام كل أنواع السلاح حتى السلاح الكيماوي وممارسات أخرى، ففي الأردن نصبت واشنطن صواريخ باتريوت واستقدمت طائرات إف16وتبين للنظام السوري أن التدخل الأجنبي الذي كان يتخوف منه لن يحصل، وأن الإجراءات مجرد مظاهر، والتدخل “الخارجي” الذي ركضت الناس وراءه لن يتحقق.
وسواء أكانت قراءة الوزير صحيحة أم حق أريد به باطل، فهي شهادة على تردي الخلق السياسي العالمي، وتآمر النظام الدولي، وعجز العرب عن إيقاف مسلسل الجريمة بحق شعب شقيق، عالم بلا قيم ولا مثل يقف متفرجا على جرائم الأسد بحق شعبه، عالم شارك بالجريمة حين حرض على الثورة، وعد ونكص بوعوده، وتعهد وحنث بعهوده وأوغل بدم الأبرياء.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .