العراق بلاد مابين النهرين مهد الحضارات، وارض بابل وسومر وأور وأكد، وبغداد التي اختطها العباسيون لتكون دارا للخلافة الإسلامية العربية طيلة خمسة قرون، بلغ فيها العرب قمة مجدهم التليد وعصرهم الذهبي فكرا وثقافة، فالعراق جدير بأن يكون الأسوة والقدوة، فهو بلد الخير والعلم والورع، ورجاله موصوفون بالشجاعة والإقدام بشهادة الأصدقاء والأعداء، قال فيه الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: العراق جمجمة العرب، وكنز الرجال، ومادة الأمصار، ورمح الله في الأرض، فاطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر.
ويقول الجاحظ: بغداد أم الدنيا، من لم يرها لم ير الدنيا ولا الناس. ويقول الصاحب بن عباد عن العراق: وجدت الصناعة في البصرة والفصاحة في الكوفة والخير في بغداد.» وقال الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد :سافرت إلى الآفاق، ودخلت البلدان من حد سمرقند إلى القيروان، ومن سرنديب إلى بلاد الروم، فما وجدت بلدا أفضل ولا أطيب من بغداد. ونقل عن ابن زريق الكوفي قوله: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد. ويروى عن ياقوت الحموي قوله: ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فاني حين دخلتها عددتها وطنا، ومن الغربيين المعاصرين الذين لا نعتز بشهادتهم يقول كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق: لم أجد في حياتي اصلب من رجال العراق. ووصف فيديل كاسترو الأميركان بالحمقى لأنهم احتلوا دولة شعبها لا يكل ولا يمل. وقال بيل كلينتون صدمت بقوة وتحدي هذا الشعب في كتب التاريخ، وتمنى هتلر: لو كان له سلاح روسي, وعقل ألماني وجندي عراقي.
ما يصيب العراقيين اليوم، غمامة وبلاء يختبرون به كما اختبر أسلافهم من قبل وابتلي الأنبياء والأخيار الصالحون، لقد اختبر العراق مرات ومرات قبلها مع البويهيون والسلاجقة والمغول التتر وقوم جنكيزخان وغيرهم وفي كل مرة ينهض أقوى مما كان ويعود إلى حاضنته العربية والإسلامية، وبعد الاحتلال خرج الأميركان هاربين من جحيم المقاومة العراقية الباسلة يلعقون جراحهمبعد ان تكبدوا اكثر من مائة الف قتيل وجريح، وستخرج فئران الجوار الفارسي مدحورة مذعورة وكل آت قريب، وسيعود العراق لأهله عربيا أبيا، يروى من قصص التاريخ وعبره، أن ابنة هولاكو زعيمِ التتار كانت تطوف في بغداد فرأت جمعاً من الناس يلتفـون حول رجل منهم، فسألت عنه فإذا هو عالم من علماء المسلمين اقتربت منه وسألته: ألستم المؤمنين بالله؟ أجابها: بلى. قالت: ألا تزعمون أن الله يؤيد بنصره المؤمنين قال: بلى. قالت: ألم ينصرنا الله عليكم؟ قال: بلى قالت: أفلا يعني ذلك أننا أحب إلى الله منكم قال: لا. قالت: لم؟
قال: ألا تعرفين راعي الغنم؟ قالت: بلى قال: ألا يكون مع قطيعه بعض الكلاب؟ قالت: بلى قال: ما يفعل الراعي إذا شردت بعض أغنامه، وخرجت عن سلطانه؟ قالت: يرسل عليها كلابه لتعيدها إلى سلطانه، قال فأنتم أيها التتار كلاب الله في أرضه، ضل بعضنا الطريق فسخركم الله لنا لنعود إليه. والفرس اليوم وأشياعهم هم الكلاب حقا وصدقا. وسنعود بإذن الله، وقد لاحت البشائر، وبدت الطلائع.
يمارس المتصيدون في الماء العكر أحفاد الزنج التدليس، يشوهون صورة الربيع العربي، ويدسون السم بالعسل إذ يجعلون غوغاء شعبان عقب حرب الخليج 1991 ثورة وهي ردة العملاء واللصوص، ولا يختلفون بشيء عمن قدموا بقطار الاميركان مغول العصر، وقد جعلوا يوم احتلال العراق في نيسان 2003 تحريرا وعيدا، زاعمين أيام السلب والنهب ربيعا بدؤوه بالعراق، وهي أيام خزي وعار سيذكرها لهم التاريخ بوشاح اسود.
الحكام الذين أطاح بهم الربيع العربي، ظلموا شعوبهم، وقصروا بحق أمتهم، ففقدت الشعوب الثقة بهم، وأنهم طبقة منخورة ساعدت الغزاة باحتلال العراق أو وقفت تتفرج، فأيقظ خنوعهم في الشعوب العربية وعي الثورة، وأتذكر وقتها قولة صدام حسين عن مبارك ومن أيد موقفه المتخاذل، إن تمرير العدوان على العراق سيجعل الرؤوس تتدحرج قبل الكراسي، وبالفعل كان موقف الدول العربية إزاء العراق مخزيا، فجاء الحصاد بعد سنوات تحفيزا من المقاومة العراقية ربيعا أطاح برؤوس سكتت وكراس تآمرت.
فسح موقف الدول العربية المتخاذل المجال للاحتلال الاميركي ولتدخل ايران الصفوية في شؤون إخوانهم العراقيين، حيث تركوا بمفردهم يقاومون احتلالين أميركي وإيراني ويواجهون المصائب والكوارث، وظل العرب يتفرجون على المشهد، في وقت كانت فيه المقاومة العراقية الباسلة تتصدى بشجاعة نادرة وتلقن المعتدين دروسا في الكفاح والجهاد وتكبدهم الخسائر الفادحة وتضطرهم إلى الانسحاب المتعجل، فأنبت المواقف والأحداث الضمائر العربية وأيقظتها واثبت لهم أن الإيمان بالله والاعتماد على النفس سلاح الشعوب الفعال في مقارعة الطغيان والاستبداد، فالمقاومة العراقية الظافرة مهدت لثورات الربيع العربي الطريق وليس ردة الغوغائيين.