عشر سنوات مضت سنة تلو أخرى تؤكد سقوط حملة الرهان الأنكلو أميركي الظالمة على العراق، وكذب الوعود والعهود التي قطعوها للعراقيين على أنفسهم. وبان زيف ما يدعون من اليوم الأول لاحتلالهم. فقد أسقطت أميركا رهان التحرير، وأعلنت العراق بلدا محتلا، فهل بعد هذا الإعلان الصريح يحق لمتطفل الادعاء بتحرير العراق وليس احتلاله واستعماره. ومن يومها بدأت تتساقط كل الوعود والعهود التي قطعتها أميركا على نفسها واحدا بعد الآخر، وسقط كل ما روج له المدعون الخونة المسخ القادمون بآخر عربة من قطار الاحتلال.
وعد الأميركان وشركاؤهم العراقيون بالحفاظ على العراق بلدا موحدا مستقلا محفوظ السيادة والكرامة، فإذا هم بالأسبوع الأول يفتحون الحدود لمن هب ودب، ليدخل مليون إيراني سبق لهم العمل في العراق قبل الحرب العراقية الإيرانية ورحلوا إلى بلادهم للخلاص من شرورهم، رأيناهم عبر الفضائيات يتدفقون كالجراد بلا تأشيرات ولا جوازات سفر، دخلوا بعفشهم وسياراتهم وأسرهم، مطمئنين كأن العراق أصبح ملكا مشاعا، وكان مرسوما لكل منهم دوره بتنسيق مليشيات بدر الطائفية، سمح لهم بطرد العرب العاملين في العراق بمن فيهم الفلسطينيين والسوريين الفارين من حكم الطاغية الأسد واحتلوا مساكنهم بالقوة واغتصبوا من المواطنين أماكنهم السابقة ومحلاتهم ومراكز أعمالهم التي كانوا يشغلونها قبل عشرين عاما حيث لم تكن هناك قوات لحفظ الأمن بعد أن حل الحاكم الأميركي بريمر الجيش والشرطة والأمن فاستغلوا الفوضى، فاثاروا الرعب في قلوب الناس ونثروا في تربة العراق بذور الطائفية.
ومن اليوم الأول سمحوا للمليشيات الكردية بالاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي واعتدته في شمال العراق بعد حل الجيش ليشكلوا الأكراد قوة عسكرية تمكنهم من التصرف بالمنطقة وطرد العرب منها وتوطين الأكراد الإيرانيين والأتراك الفقراء الذين استقدموا للانتشار في المناطق العربية في محافظة كركوك وبعض قرى الموصل، ويشكلوا فيها الأغلبية ويعدوها مناطق كردية يطالبون بضمها لكردستان، واشرف الجيش الأميركي على تدريب المليشيات الكردية وتنظيمها بفرق عسكرية مقاتلة مهنية وصنوف مشاة ومدفعية وأخرى خدمية ودربوا بطريقة محكمة، لتكون جيشا عنيدا قادرا على فرض إرادته في تقسيم البلد، وأصبحت كردستان محمية تدين بالولاء للأميركان يغدقون عليها أموال العراقيين، فشكلوا حكومة مستقلة ورئيس وزارة ووزراء وجيش وشرطة وقوات امن واستخبارات. وباتوا ينتظرون اللحظة المناسبة لإعلان الاستقلال بتدبير وكيد من الأميركان، الذين خططوا لإضعاف العراق وتقسيمه قبل الاحتلال، وما وعودهم بالحفاظ على وحدة العراق إلا كذب وتمويه.
وعد الأميركان وحلفاؤهم العراقيون بحكم ديمقراطي انتخابي حر ونزيه، ولكنهم أشاحوا عن تقسيم العراق إلى دوائر يتنافس عليها المرشحون ويفوز الأفضل، وجعلوا العراق كله من شماله إلى جنوبه قائمة واحدة تتنافس عليها الكتل ليشيعوا الاصطفاف الطائفي والعنصري، قائمة شيعة، وأخرى سنية، وثالثة للأكراد، وأخرى للتركمان والمسيحيين، والمواطن يختار القائمة ورئيسها بحسب الانتماء، فقسموا البرلمان إلى كتل متناحرة أنا وأخي وابن عمي مع الأميركي الغريب على الوطن، والأدهى والأمر أصبح لرئيس القائمة حق توزيع أصواته الفائضة عن عشرين ألف صوت إلى من يريد من مرشحي قائمته، يمنح مرشحا لم يحصل على عشرة أصوات جزءا من أصواته ليفوز ويستبعد آخر حصل على آلاف الأصوات، فضمن كل رئيس قائمة أنصاره ومؤيديه، وهكذا افرغ البرلمان من محتواه وأصبح مقسما إلى كتل طائفية وعنصرية بامتياز، وأصبح الأعضاء يمثلون رئيس القائمة لا أصوات مرشحيهم، وتسلل إلى البرلمان المنافقون وذوو الأطماع والنفوس الضعيفة من السراق والمفسدين.
وعد الأميركان العراقيين بدستور يحفظ لهم هويتهم، وسيادتهم، وكرامتهم، ويضمن الحفاظ على ثرواتهم وممتلكاتهم والأمن والعيش الكريم، وإذا بالدستور معد سلفا بكواليس البيت الأبيض فأضاع انتماء العراق وهويته القومية العربية والعقائدية الإسلامية، وتجاهل أن أكثر من 80 % من العراقيين عرب و96 % مسلمون، وفتح الأميركان المجال للتدخل الإيراني وبناء نفوذ قوي حتى أصبح العراقيون لا يملكون من أمرهم شيئا وكأنهم وديعة تحت وصاية أميركا الفرس، واهتم الأميركان بالسيطرة على المؤسسات المعنية بشؤون النفط، وأعدوا قانون الاستثمار وفق أهوائهم وإلى اليوم يصدر النفط العراقي بلا عدادات تقدير بالجملة. وأصبح العراقي جائعا مشردا ومليارات ثروته تسرق للموالين ولمصالح الإيرانيين، فلم تبن مدرسة ولا أقيم مستشفى ولا فتح طريق ولا عبد، ولا حفرت ترعة ولا شق نهر، ولا استتب امن، جثثهم وأوصالهم في الشوارع، وأبناؤهم يعذبون في المعتقلات، والأبرياء ودائع في السجون، يقاضون بتهم المخبر الوهمية فيحكمون ويعلقون على أعواد المشانق، تحتج منظمات حقوق الإنسان العالمية ولا من يجيب، ففي العراق أعلى نسبة إعدامات وسجون سرية وعلنية، وبدلا من أن يتقدم العراق بفضل ثروته الوافرة خطوة واحدة إلى الأمام تراجع آلاف الخطوات إلى الخلف.