العدد 1641
الجمعة 12 أبريل 2013
بغداد وذكريات عشر سنوات من عمر “التحرير” د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الجمعة 12 أبريل 2013

بغداد جوهرة العرب وعاصمة الرشيد، ودار الخلافة، تحررها أساطيل الغرب من جحافل البدون الملونين! هكذا شاء لها الأشقاء، يوم كسروا سيوف القبيلة، فتآمر عليها أحباش التتار، وأحفاد ابن العلقمي، وغزاها مغول العصر، أسروها، فغاب عنها القمر، وازورت عنها الشمس، وحيّد حراسها، فرزحت تئن تحت وطأة الاستلاب، استباحها العلوج، واستوطنتها كلاب الغجر، ودنستها أقدام المجوس وأفواج الموساد ورثة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة لا أقامهم الله، وغشي دروبها قطاع الطرق، ولصوص المآتم من أعاجم القرامطة، شوهوا معالمها، وموهوا وجهها، وقطعوا أوصالها، وغيروا حالها.
 عشر سنوات وبغداد تنتظر عودة أوليس؟ وليس في ذاكرتها من حصاد الأيام إلا ما جمعت من مر الذكريات، أيام الجمع الحزينة، وكل سبت مشؤوم، وأحد دام، وأيام الاثنين السود، وكل ثلاثاء مبك، وأربعاء مأساوي، وخميس مؤلم، أيام على أيام لا تحصى، ومشاهدها لا تنسى، امتلأت بالأسى والحزن والبؤس. صور الذلة والهوان، ولحظات الرعب التي يختلط فها وهج النار برائحة لحم البشر المشوي، وأصوات الاستغاثة عبر صدى التفجيرات المميتة، جثث ملقاة بين الأنقاض، وأشلاء مبعثرة، وأطراف مقطعة، رؤوس تتدحرج، وحطام مبان انحنت سقوفها على سواقي الدم.
عشر سنوات مضت عاشتها بغداد الجريحة منذ أن عكرت قاذفات الغرب المتحضر أجواء سمائها باختراق حاجز الصوت لترعب أهلها بما تلقي عليهم من نيران حمم عمياء لا تستثني البشر من الحجر، ولا الصغير من الكبير، ولا النساء من الرجال، ولا الطير من الشجر، تزحف تحت غطائها مجنزرات الموت براجماتها ومدافعها الثقيلة لتدك كل حصين ومنيع من رموز عربية، ومعالم إسلامية، وآثار تاريخية، وذخائر فنية، ولهذا قدموا من خلف المحيطات كالجراد، والتفوا على ظهور أحيائها، وقد جمعوا لها كل مارد حاقد، من البدون مجلوبين من كل حدب وصوب ليغشوا بهم أسوار الأمجاد، يتبخترون خيلاء بهمجيتهم، ويتبجحون متباهين بوحشيتهم، على عادة الغزاة الأوباش، لا يعرفون حرمة لمقدس، ولا يتورعون عن فعل كبيرة، ذئاب لا يرعون ذمة ولا عهد قطعوه على أنفسهم، جاءوا محررين مسالمين، ودخلوها أعداء وغزاة محتلين.
ماذا تذكر بغداد “للمحررين”؟ دخلوها طامعين، ومن ساعتهم استولوا على ما خف وغلى من نفائس خزائنها، وأذنوا للرعاع من العوام الجهلة بنهب ما عفت أنفسهم عنه فشاع السلب والنهب ليغطوا به على جرائمهم، شوهوا سمعة البلد وأهله، وبدلوا الأرض غير الأرض واستوصوا بأراذل الناس من عملائهم الخونة، يولون الأمر لأدناهم منزلة، وأخسسهم قدرا، وأشحهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضا عن ثوابت الدين، ما فيهم إلا من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب. تدربوا على كل دنية، فجالوا كالغربان خلف الجيف، يستفردون بالضعفاء، ويستقون على الأصلاء، سرحوا حماة الديار، وحفظة الأمن وصار حراميها حاميها. فماذا تتذكر بغداد؟
ماذا تتذكر بغداد؟ جرائم الملونين المدججين بغدّاراتهم وأصابعهم على الزناد يرهبون الأطفال والنساء يجولون ويصولون في الحارات والأزقة؟ تتذكر زحف الأفاعي والعقارب تتدفق من خلف الحدود؟ تتذكر أهلها المهجرين الهاربين من جحيم الموت فارين على وجوههم بلا مأوى ولا زاد وخلفهم خفافيش الظلام من ميليشيات الصفويين؟ تتذكر جثث مصابيح الظلام من العلماء أئمة المساجد وخطبائها، وأساتذة الجامعات وأعلامها، وكفاءات البلد وخيرة محترفيها تُلقى جثثهم على المزابل وفي مصارف المياه الثقيلة؟ أم تتذكر من اختطف ومن ذبح من شبابها الغض على الهوية من هؤلاء وهؤلاء؟ تذكر الظلام وقد أرخى سدوله على آفاقها لا تفض خمائله إلا انفجارات القنابل العمياء تتساقط كالموت بلا دليل. تتذكر دخان الحرائق يزكم الأنوف ويخنق الصدور فيعيق اجتذاب الحسرات؟ تتذكر جدران الاسمنت تلتف حولها، فتحولت أحياؤها سجونا ومستعمرات ومحميات؟ ماذا تتذكر لتذكر؟
تتذكر الشمل الذي تفرق شيعا وأحزابا وما التأم من يومها؟ تتذكر يوم جعل أعضاء مجلس الحكم ذكرى اغتصابها عرسا وعيدا يتبادلون فيه القبل احتفاء بالعار؟ تتذكر موقف علاوي رئيس أول حكومة بعد الاحتلال وهو يحرض الغزاة على قصف النجف الأشرف واستباحة الفلوجة الباسلة؟ تتذكر رئيس الحكومة الثانية الجعفري يوم ترك الحبل على الغارب للغوغاء تقتل وتفجر وتستبيح المساجد السنية يوم فجرت العتبات المقدسة في سامراء التي حافظ عليها السنة عامرة قرونا؟ أم تتذكر تستر المالكي على عصابات القتل والاغتصاب والتعذيب وعلى السراق والمفسدين، ومساوماته على القيم والمبادئ والخلق، أم تتذكر تجاهله للملايين المعتصمة تنادي السماء وتستمطر الرحمة مما حاق بالبلاد والعباد من ظلم وعسف.
بغداد اليوم تتذكر محاسن شهدائها، يوم لم نكن نُجيد الحديث عن السنة والشيعة، ولا عن الشمال والجنوب، بغداد تعيش على ذكريات عزها ومجدها، ولها وقفة آتية وعيد، وليس عليها وعلى الله ببعيد.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية