+A
A-

الاحتيال العاطفي.. وهم الحب الذي ينتهي بخسائر فادحة

خسرت الأميركية جين بوث أكثر من 90 ألف دولار، لكن خسارتها المالية لم تكن الأصعب، إذ وجدت نفسها عاجزة عن قطع علاقتها بالشخص الذي احتال عليها وأوهمها بالحب.

وتسلط قصتها الضوء على واحدة من أخطر الجرائم الرقمية التي تتنامى عالميا، وهي الاحتيال العاطفي الإلكتروني، الذي يستهدف مشاعر الضحايا قبل أموالهم، ويوقعهم في دائرة من التعلق النفسي يصعب الخروج منها حتى بعد انكشاف الحقيقة.

وتبدأ هذه العمليات، في الغالب، برسائل ودية واهتمام مبالغ فيه، قبل أن تتطور إلى علاقة تبدو حقيقية، ينجح خلالها المحتال في بناء الثقة تدريجيا، ثم يبدأ بطلب الأموال بحجج مختلفة، مستغلا الارتباط العاطفي الذي صنعه بعناية.

ولا تعد جين الضحية الأولى لهذا النوع من الجرائم، إذ تشير التقديرات إلى أن خسائر ضحايا الاحتيال العاطفي في الولايات المتحدة وحدها تجاوزت مليار دولار سنويا، في مؤشر على اتساع الظاهرة مع الانتشار الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التعارف.

وفي حديثها إلى سكاي نيوز عربية، أكدت اختصاصية علم النفس السريري جيهان المرابط، أن انتشار تطبيقات التواصل والتعارف جعل الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى، إلا أن هذه السهولة جاءت مصحوبة بمخاطر كبيرة، موضحة أن التعارف عبر الشاشات ألغى كثيرا من الحواجز التي كانت تفرضها العلاقات التقليدية، الأمر الذي وفر بيئة خصبة للمحتالين.

ورفضت المرابط الاعتقاد السائد بأن ضحايا الاحتيال العاطفي هم أشخاص ضعفاء أو قليلو الذكاء، مؤكدة أن الدراسات أثبتت أن الضحية قد تكون قاضيًا أو محاميًا أو أستاذا جامعيا، مشيرة إلى أن العامل الحاسم ليس مستوى الذكاء، بل الحالة النفسية والاجتماعية التي يمر بها الشخص لحظة تعرفه إلى المحتال.

وقالت إن الضحية غالبا ما تكون في مرحلة من الهشاشة النفسية، كأن تكون قد مرت بانفصال، أو فقدت شخصا عزيزا، أو تعاني الوحدة، وهو ما يجعلها أكثر قابلية لتلقي الاهتمام والتعلق بمن يمنحها شعورا بالأمان والاحتواء.

وأضافت أن المحتال يتمتع عادة بذكاء اجتماعي مرتفع، ويحرص منذ بداية العلاقة على دراسة ضحيته، والتعرف إلى مخاوفها وأحلامها واحتياجاتها العاطفية، ثم يستخدم هذه المعلومات لبناء علاقة اعتمادية يصعب كسرها.

وأوضحت أن أولى مراحل الاحتيال تعتمد على ما يعرف بـ"الإغراق العاطفي"، حيث يغمر المحتال الضحية بالرسائل والاهتمام اليومي، ويخلق روتينا ثابتًا من التواصل يمنحها شعورًا بالإشباع العاطفي، قبل أن يختفي فجأة لفترات قصيرة، ما يدفع الضحية إلى التعلق به بصورة أكبر والسعي لاستعادة ذلك الاهتمام.

وحول العلامات التي تكشف العلاقات غير الصحية، قالت المرابط إن العلاقة السليمة تقوم على الأمان والحرية والوضوح، بينما يشعر الشخص في العلاقة المؤذية بالضغط والتوتر والارتباك.

وأضافت أن من أبرز مؤشرات الخطر عدم احترام الطرف الآخر للحدود الشخصية، أو اللجوء إلى الابتزاز العاطفي وإشعار الطرف الآخر بالذنب، أو الإسراع غير الطبيعي في الحديث عن الحب والزواج ومستقبل العلاقة منذ بدايتها.

وتطرقت المرابط إلى الجانب النفسي الذي يجعل بعض الضحايا يستمرون في الدفاع عن المحتال حتى بعد اكتشاف الخداع، موضحة أن الأمر لا يرتبط بالحب بقدر ما يرتبط بمحاولة العقل حماية صاحبه من الصدمة النفسية.

وقالت: "الضحية ليست متمسكة بالمحتال، بل بالفكرة التي بنتها عنه، لأن الاعتراف بأنه خدعها يعني مواجهة أسئلة مؤلمة حول الثقة بالنفس وتقدير الذات".

وأضافت أن الضحية تمر بمراحل نفسية مشابهة للحزن، تبدأ بالإنكار، ثم الغضب، فالمساومة، والاكتئاب، قبل الوصول إلى مرحلة التقبل، وهي رحلة قد تستغرق سنوات لدى بعض الأشخاص.

وفيما يتعلق بطرق الوقاية، شددت المرابط على ضرورة عدم التسرع في بناء العلاقات عبر الإنترنت، مؤكدة أن الوقت كفيل بكشف كثير من الحقائق.

كما دعت إلى التحقق من هوية الشخص عبر البحث عن صوره على الإنترنت، ومراجعة بياناته المهنية، والبحث عن اسمه مرفقًا بكلمات مثل "احتيال" أو "Scam"، لأن كثيرًا من الضحايا ينشرون تجاربهم لتحذير الآخرين.

وأكدت أن طلب المال يجب أن يكون بمثابة "جرس إنذار" لا يجوز تجاهله، مهما كانت قوة العلاقة أو حجم الوعود، مضيفة أن تحويل الأموال إلى شخص لم تتم معرفته على أرض الواقع يعد من أبرز مؤشرات الاحتيال، حتى لو سبق ذلك إرسال هدايا أو إظهار كرم مبالغ فيه.

كما نصحت بضرورة الانتقال سريعًا من العلاقة الافتراضية إلى التعارف المباشر كلما كان ذلك ممكنًا، أو على الأقل إجراء مكالمات فيديو في أوقات غير متفق عليها مسبقًا، لأن ذلك يساعد في كشف كثير من محاولات الانتحال والخداع.

واختتمت المرابط حديثها برسالة تحذيرية، قالت فيها: "عندما يتحول الحب إلى اختبار متكرر، فإنه لم يعد حبًا، بل أصبح سيطرة" وهي رسالة تؤكد، بحسب مختصين، أن الوعي يبقى خط الدفاع الأول في مواجهة المحتالين الذين يستغلون الاحتياجات العاطفية لتحقيق مكاسب مالية، محولين مشاعر الضحايا إلى وسيلة للابتزاز والخداع.