بين الضباب وخط الزوال
حوار الفن والذاكرة في معرض "حافظ" بجدة
تستضيف حافظ جاليري في مدينة جدة معرضاً فنياً استثنائياً بعنوان "بين الضباب وخط الزوال"، يجمع ثلاثة من أبرز الفنانين العرب الذين شكلت دراستهم في موسكو أساساً فنياً مشتركاً رغم تباين أجيالهم وجغرافيتهم. الفنانون حكيم العاقل، وعبد الستار الموسى، وثريا البقصمي، يقدمون تجربة بصرية عميقة تعيد تعريف الذاكرة كوعاءٍ يحفظ ما تعجز اللغة عن وصفه، محولين الذكريات الشخصية والهوية الثقافية إلى لغة بصرية تتقاطع فيها ملامح المكان مع إنسانية الإنسان.
يأخذنا الفنان اليمني حكيم العاقل في رحلة وجدانية إلى قريته الجبلية، حيث تعود وجوه النساء لتنبثق من بين الضباب في سلسلة "حوريات الجبل". بالنسبة للعاقل، المكان والذاكرة صنوان لا يفترقان؛ إذ ينسج بتكوينات طباقية وألوان معبرة قصائد بصرية تعيد إحياء ميثولوجيا الجبل وتفاصيل الحياة اليومية، حيث يرى أن الذاكرة ليست خلفية للعمل الفني، بل هي المادة الخام التي تتشكل منها اللوحة.
وعلى الضفة الأخرى، يقدم الفنان السعودي عبد الستار الموسى نهجاً أكثر هدوءاً وتأملاً. في أعماله التي تعود لفترة الثمانينيات، يستخدم أسلوباً أحادياً يعتمد على الأسود والأبيض ليجرد المشهد من كل ما هو زائد، مركزاً على جوهر الكرامة والصمود. لا يقدم الموسى بورتريهات تقليدية، بل يوثق بفرشاته شهادات حية على روح جيل كامل، محولاً اللحظات العادية إلى سجلات بصرية خالدة تعكس ثقل الحياة اليومية وعمقها الإنساني.
أما الفنانة الكويتية ثريا البقصمي، فتفتح المعرض على أبعاد ثقافية ورمزية واسعة. في أعمالها، لا تظهر المرأة كمجرد موضوع للوحة، بل كرمز وحارسة للهوية العربية والخليجية. تستلهم البقصمي من التراث والفلكلور الشعبي لتصيغ سرديات بصرية نابضة بالحياة، حيث تصبح المرأة مهندسة للوعي الثقافي ومشاركة فاعلة في تشكيل المستقبل، متجاوزة دورها كمجرد وريثة للتقاليد.
يعد هذا المعرض الذي تنظمه "حافظ جاليري" -التي تأسست عام 2014 على يد قسورة حافظ- بمثابة جسر ثقافي يربط التجارب الفنية العربية ببعضها البعض، مؤكداً على رسالة المعرض في تسليط الضوء على المشهد الفني السعودي والعربي. إن "بين الضباب وخط الزوال" ليس مجرد عرض للأعمال الفنية، بل هو حوارٌ مستمر بين المكان والناس والذاكرة الجماعية، ويبرز كيف يظل الفن العربي، رغم اختلاف مدارس فنانينا وتجاربهم، متمسكاً بجذوره وقادراً على تطويع أدوات الحداثة لخدمة الهوية والإنسانية.
