تطوير شارع الملك فيصل وتوسعة مدينة سلمان الصناعية... الرهان الأكبر
البحرين تراهن على البنية التحتية الصناعية واللوجستية في سباق الخليج على الاستثمار
- البحرين توجه التمويل نحو رافدين رئيسين للنمو الاقتصادي المستقبلي
- جودة البنية التحتية الحضرية عاملاً لا يقل أهمية عن الحوافز الضريبية أو التشريعية
- البحرين تعزز بمشاريعها موقعها ضمن سلاسل الإمداد الخليجية
لا تكمن أهمية الاتفاقيتين الموقعتين بين مملكة البحرين والبنك الإسلامي للتنمية في قيمة التمويل البالغة نحو 510 ملايين دولار فقط، بل في طبيعة المشاريع التي تم اختيارها. فاللافت أن البحرين توجه التمويل نحو رافدين رئيسين للنمو الاقتصادي المستقبلي: النقل الحضري والصناعة، وهما القطاعان الأكثر ارتباطاً بجذب الاستثمارات وتعزيز تنافسية الاقتصاد غير النفطي.
أولاً: من مشروع مروري إلى مشروع اقتصادي
قد يبدو تطوير شارع الملك فيصل مشروعاً خدمياً يهدف إلى تخفيف الازدحام في المنامة، إلا أن القراءة الاقتصادية الأعمق تشير إلى أنه استثمار في رفع كفاءة الاقتصاد الحضري.
فشارع الملك فيصل يمثل أحد أهم الشرايين التي تربط المناطق التجارية والمالية والسياحية بالعاصمة. وتقليص زمن التنقل وتحسين انسيابية الحركة يعني:
- خفض التكلفة الزمنية على الشركات والأفراد.
- رفع إنتاجية الأنشطة الاقتصادية في قلب المنامة.
- تعزيز جاذبية المنطقة المالية والتجارية للمستثمرين.
- تحسين البيئة الحضرية بما يتوافق مع متطلبات المدن الاقتصادية الحديثة.
وفي ظل التنافس الخليجي على استقطاب الشركات الإقليمية والعالمية، أصبحت جودة البنية التحتية الحضرية عاملاً لا يقل أهمية عن الحوافز الضريبية أو التشريعية.
ثانياً: توسعة مدينة سلمان الصناعية... الرهان الأكبر
اقتصادياً، يبدو مشروع توسعة مدينة سلمان الصناعية أكثر أهمية على المدى الطويل من المشروع المروري، لأنه يستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد البحريني.
فإضافة نحو مليون متر مربع من الأراضي المستصلحة وتطوير 800 ألف متر مربع من القسائم الصناعية يعكس توقعات رسمية بارتفاع الطلب على المواقع الصناعية خلال السنوات المقبلة.
وتكشف هذه الخطوة عن ثلاثة أهداف استراتيجية:
- استقطاب استثمارات صناعية جديدة محلية وأجنبية.
- توسيع قاعدة الصادرات غير النفطية.
- تعزيز مكانة البحرين كمركز صناعي ولوجستي إقليمي يخدم أسواق الخليج.
ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه دول الخليج على جذب الصناعات التحويلية المتقدمة ضمن خطط التنويع الاقتصادي، ما يجعل توفير الأراضي الصناعية والبنية التحتية الجاهزة عاملاً حاسماً في المنافسة الاستثمارية.
ثالثاً: انسجام مع التحولات الخليجية
اللافت أن المشروعين يتماشيان مع الاتجاه السائد في دول الخليج خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل التركيز من الإنفاق على المشاريع العقارية والاستهلاكية إلى الاستثمار في البنية التحتية الإنتاجية.
فالسعودية والإمارات وعُمان وقطر تضخ استثمارات ضخمة في:
- المناطق الصناعية.
- الموانئ والخدمات اللوجستية.
- الربط بين المدن والمراكز الاقتصادية.
- الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة.
وفي هذا السياق، تبدو البحرين وكأنها تعزز موقعها ضمن سلاسل الإمداد الخليجية بدلاً من منافسة الاقتصادات الأكبر حجماً على المشاريع العملاقة.
رابعاً: دلالات اختيار البنك الإسلامي للتنمية
يحمل التمويل أيضاً رسالة مهمة للأسواق، فمشاركة البنك الإسلامي للتنمية في تمويل هذه المشاريع تعكس ثقة مؤسسة تنموية دولية في جدواها الاقتصادية والتنموية.
كما أن اعتماد التمويل التنموي طويل الأجل يتيح تنفيذ مشاريع استراتيجية دون الضغط المباشر على السيولة الحكومية، وهو ما يمنح البحرين مساحة أكبر للاستمرار في برامج التنمية والبنية التحتية.
خامساً: التكامل الإقليمي أصبح أولوية اقتصادية
جاء توقيع الاتفاقيات في اجتماعات رفعت شعار “التكامل الإقليمي رافد الازدهار المستدام”، وهو شعار يعكس تحولاً متزايداً في الفكر التنموي الخليجي.
فالاقتصادات الخليجية باتت تنظر إلى:
الربط اللوجستي.
تكامل سلاسل التوريد.
التجارة البينية.
أمن الطاقة والغذاء.
بوصفها أدوات لتعزيز النمو والمرونة الاقتصادية في مواجهة التحديات الجيوسياسية العالمية.
ومن هذه الزاوية، فإن توسعة مدينة سلمان الصناعية وتطوير أحد أهم المحاور المرورية في المنامة لا يخدمان البحرين فقط، بل يعززان دورها داخل شبكة التجارة والإنتاج الخليجية الأوسع.
يذكر أن مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، بدأت أعمال اجتماعاتها السنوية لعام 2026 في العاصمة باكو، تحت شعار “التكامل الإقليمي رافد الازدهار المستدام”، وحشدت هذه الاجتماعات وزراء المالية والاقتصاد والتخطيط والتنمية الدولية، إلى جانب كبار ممثلي المؤسسات المالية الدولية الرائدة والمنظمات التنموية العالمية والشركاء الإستراتيجيين.
ووفر هذا الحدث البارز منصة رفيعة المستوى للحوار والتعاون وتبادل المعرفة؛ بهدف معالجة الأولويات التنموية المشتركة ودفع عجلة التقدم الاجتماعي والاقتصادي المستدام، وطوال فترة الاجتماعات شارك الحضور في مناقشات معمقة حول التحديات والفرص التنموية الناشئة، مع التركيز على تحديد حلول مبتكرة وعملية تسهم في تعزيز النمو العالمي طويل الأمد والقدرة على الصمود، وفقا لوكالة أنباء السعودية “واس”.
وقال رئيس مجموعة البنك الإسلامي الدكتور محمد الجاسر: “لم يكن شعار اجتماعات هذا العام - “التكامل الإقليمي من أجل ازدهار مستدام” - مجرد شعار، بل كان القوة الدافعة وراء كل قرار اتخذه محافظونا، وقد تجلى هذا الشعار في جلساتنا وتبادلاتنا التجارية واجتماعات الشراكة، من خلال استضافة 32 اجتماعًا رفيع المستوى وفعالية لتبادل المعرفة، بما في ذلك تلك التي استضافها منتدى القطاع الخاص”.
وأضاف: “شهدت هذه الفعاليات مشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين والعاملين في مجال التنمية، ورحبنا بأكثر من 4400 مشارك من 78 دولة والعديد من المنظمات الإقليمية والدولية، بمن فيهم 46 رئيس مؤسسة، وتناولنا معًا أهم قضايا عصرنا.
وتُوجت مناقشاتنا المثمرة بإجراءات عملية ملموسة، وتوقيع 67 اتفاقية بقيمة إجمالية قدرها 6 مليارات دولار أميركي مع 10 دول أعضاء، والعديد من المؤسسات الإقليمية، وشركات القطاع الخاص، وتستهدف هذه الاتفاقيات قطاعات حيوية تؤكد عزمنا الراسخ على تقديم حلول تنموية مؤثرة كمجموعة موحدة للبنك الإسلامي للتنمية.
وأشار الجاسر، إلى أن البنك الإسلامي للتنمية وافق على تمويل جديد بقيمة 2.8 مليار دولار أميركي لتسعة مشاريع تحويلية للدول الأعضاء ستعزز أمن الطاقة، والنظم الغذائية، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، والعديد من أهداف التنمية المستدامة.
إن مملكة البحرين كعضو مؤسس في مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، وتشارك بفعالية في اجتماعاتها السنوية ومبادراتها التنموية،لا تستثمر في طرق ومبانٍ جديدة فحسب، بل تعمل على إعادة تشكيل مقومات النمو الاقتصادي للمرحلة المقبلة. فبين مشروع يرفع كفاءة الحركة الاقتصادية في العاصمة، وآخر يضيف طاقات صناعية جديدة، تتجه المملكة نحو تعزيز موقعها كمركز صناعي ولوجستي وخدمي في الخليج، مستفيدة من التمويل التنموي الدولي ومن موجة التكامل الاقتصادي الإقليمي التي تتسارع في المنطقة.
