العدد 6377
الثلاثاء 31 مارس 2026
أميركا وإسرائيل تقصفان إيران لكن إيران تقصف الدول العربية
الثلاثاء 31 مارس 2026

أميركا تقصف أهدافا عسكرية وإيران تقصف أهدافا مدنية في الخليج والأردن، حتى عندما تقصف إسرائيل فإن صواريخ إيران تسقط على بيوت الفلسطينيين في القدس والخليل وتقتل 3 وتصيب 50 في الجليل الأسفل حتى أنها كادت أن تصيب المسجد الأقصى.
حتى عمان التي تقوم بدور الوساطة سنوات لم تسلم من صواريخ إيران.
إيران تنادي الدول الإسلامية لتقف معها، ولكن الدول التي تقصفها جميعها دول مسلمة.
حتى عندما زودت إيران “حماس” بالأموال والصواريخ، فلم تقتل هذه الصواريخ ربما 10 إسرائيليين على مدى 10 سنوات، في المقابل تهور إيران و “حماس” أدى إلى التسبب في قتل 80 ألف فلسطيني في غزة وتدمر القطاع عن بكرة أبيه.
إيران تزود “حزب الله” بالأموال والصواريخ، وفي المقابل فإن “حزب الله” يقتل ربما عشرات من الإسرائيليين على مدى عقود، وفي المقابل فإن إسرائيل ترد بقتل الآلاف من اللبنانيين وتهجر مليونا وتستولي على أرض اللبنانيين وبالتحديد “ضيعات” الجنوب الشيعية.
إيران تدعم الحوثيين، ولكن اليمن تعيش أسوأ كارثة إنسانية في القرن الواحد والعشرين.
يتساءل بعض المعلقين عن سبب استهداف النظام الإيراني للمطارات ومنشآت الطاقة والمجمعات التجارية في الدول الخليجية، ثم الادعاء بأنها قواعد عسكرية أجنبية. والجواب، بالطبع، أن النظام الإيراني يعرف ذلك، لكنه يريد أن يبعث برسالة واضحة: إما نجاة النظام أو تخريب المنطقة.
وعلى الرغم من أن دول الخليج امتنعت عن الدخول في الحرب وأعلنت موقفها مبكرا، فإن ذلك لا يعني شيئا للنظام في طهران، الذي اتخذ قراره منذ البداية، بل قبل اندلاع الحرب، وهو جعل الدول الخليجية رهينة وأداة ضغط عالمية، كثمن لبقائه. (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني).

كل الردود على مناصري النظام الإيراني تحاول عقلنة سلوكه، لكنها تفشل في ذلك؛ عقلنة ما لا يمكن عقلنته مهمة مستحيلة؛ فالدول لا يمكن أن تبرر ضرب المطارات أو حرق منشآت الغاز والنفط في الدول المجاورة التي لم تعتدِ عليها، لكن النظام الإيراني، في حقيقته، تنظيم أيديولوجي عابر للحدود أكثر من كونه دولة تقليدية، وقد كشفت هذه الحرب ذلك بوضوح. وقد رأينا أن من رحمه وُلدت تنظيمات أيديولوجية مسلحة في دول عربية عدة.

السؤال الأهم من كل هذا هو: ما أهداف النظام الإيراني؟ ولماذا يصر على السلاح النووي، ويعادي محيطه، وينشر أذرعه في ساحات بعيدة عنه؟

الجواب أن لدى طهران طموحا لتغيير النظام الإقليمي بما يتناسب مع رؤيتها للعالم. تريد أن تغير النظام السائد، الذي تصفه بالنظام الأميركي أو الغربي، وتفرض نظامها الخاص. ولهذا فهي تسعى، من خلال ضرب “المصالح الأميركية” والتعدي على ما تسميهم “أصدقاء أميركا” في الخليج، إلى إثارة الفوضى ودفع واشنطن إلى المغادرة. وقد حاولت ذلك مرات، نجحت في بعضها وفشلت في أخرى.
في العراق، بعد 2003، ساهمت عبر حلفائها في استنزاف القوات الأميركية وإغراقها بالوحل؛ ما عجّل بالانسحاب بالعام 2011. وفي بيروت بالعام 1983، وقع تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية الذي قُتل فيه 241 جنديا أميركيا، في سياق صعود جماعات مرتبطة بإيران؛ ما دفع إدارة ريغان إلى سحب القوات. وكانت خلف تفجير أبراج الخبر بالعام 1996 في السعودية، عبر جماعات موالية لها، في حين احتضنت لاحقا عناصر من تنظيم “القاعدة” على أراضيها، على رغم التباين الأيديولوجي ولكن الأهداف كانت واحدة. استخدمتهم كورقة ضمن صراعها الأوسع، لكن محاولاتها داخل السعودية لم تنجح في تغيير المعادلة.

إن زراعة الميليشيات على صورة “الحرس الثوري” في ساحات عديدة، وإفشال دول عربية، يعود إلى الهدف ذاته: تحويل الإقليم إلى مستنقع سياسي. ومع أميركا التي لا تصبر طويلا، ستصاب بالملل وتحزم حقائبها وتغادر وتترك لها الساحة خالية. وتندرج تحت هذا الهدف كل الأفعال غير المشروعة من دعم الجماعات المسلحة، وتجارة المخدرات، وإضعاف الدول، ونشر الفوضى. هذا هو النظام الذي تفضله طهران وتسعى لنشره، مع دعم المتحالفين معها في تحقيق أهدافه النهائية. ولا داعي، بالطبع، للقول إن الحديث عن القضية الفلسطينية يُستخدم غطاء سحريا لكسب المشروعية.

يأتي هذا في سياق صراع دولي أكبر، حيث تتحالف إيران مع الصين وروسيا لموازنة النفوذ الأميركي والغربي، وتسعى إلى دور أوسع في إدارة شؤون الخليج والشرق الأوسط. ولا ننسى أن هذه الرؤية، وإن كانت تتعارض مع مصالح غالبية دول الخليج التي ترى نفسها حليفا قويا لواشنطن، فإن هناك قوى إقليمية لا ترى فيها ما يعاكس بالضرورة مصالحها، بل يتقاطع معها، في لعبة تقاسم النفوذ.

على رغم محاولاتها لم تستطع إيران تخريب المنظومة الخليجية، التي تعارض، بشكل رئيس، فلسفة النظام الإيراني: دول قوية، واقتصادات رأسمالية، وعلاقات مالية وعسكرية وثيقة مع أميركا والغرب. تخريب هذا النموذج يصب في مصلحة النظام الإيراني، ولهذا لم يتردد، منذ الساعات الأولى للحرب، في الإضرار به، عبر إرسال آلاف الصواريخ والمسيرات؛ بهدف ضرب أهم ركيزتين يقوم عليهما، وهما الاستقرار والتنمية. ولا معنى لسؤال الإيرانيين: لماذا تستهدفون المطارات وتعرقلون حركة الملاحة الجوية وتقتلون المدنيين؟ فهذا، بالضبط، ما يريدونه، ويعلنونه بصراحة. هدفه النهائي نخر هذا النظام الإقليمي حتى يتهاوى ويسقط.

المشروع الفارسي الإيراني ليس بجديد، فقد بدأت ملامحه في فترة حكم الشاه وبالذات عندما أقام حفلا تاريخيا سنة 1971 وكانت تكلفته 25 مليون دولار في مدينة بيرسيبوليس، ممجدا التاريخ الفارسي وعارضا الرقعة الجغرافية للدولة الأخمينية الفارسية. نظام الشاه كان فارسيا علمانيا ونظام الملالي هو أيضا فارسي بمنظور ديني محرف ليلائم الفكر الفارسي التوسعي في الشرق الأوسط.

في الملخص، هذه الحرب دون أي شك هي نقطة تحول في منطقة الشرق الأوسط.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية