العدد 6373
الجمعة 27 مارس 2026
الاعتمادات المستندية ومعيار مطابقة المستندات
الجمعة 27 مارس 2026

تلعب الاعتمادات المستندية دورا ملموسا في دعم التجارة حيث تقدم البنوك هذه الخدمة لزبائنها للاستيراد من الخارج، وتقوم البنوك بسداد القيمة عند تطابق المستندات المقدمة للبنك مع تلك المذكورة في وثيقة الاعتماد. ووفق الممارسات القانونية فإن البنوك، للقيام بالدفع، تتعامل بالمستندات المقدمة ولا تتعامل بالبضائع التي تم شحنها. وهنا يطرأ سؤال، حول معايير وشروط مطابقة المستندات، وكيف تقوم البنوك بهذا الاجراء قبل القيام بالدفع. وفق ضوابط الاعتمادات المستندية يقوم البنك بالتدقيق في المستندات للتأكد من مطابقتها. وهناك معايير يتم اتباعها لتدقيق المستندات للمطابقة. واذا رجعنا إلى “القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية” الصادرة من غرفة التجارة الدولية بباريس نجدها لم تتعرض لوضع معيار معين للمطابقة بل تركت الأمر للبنوك وممارساتها في إختيار المعيار الأصلح لتدقيق المستندات ومطابقتها.

ومن الممارسة المصرفية يطغى معيار “التطابق الدقيق” للمستندات. وهذا، هو الوضع السائد لدى الغالبية من البنوك. ومعيار “التطابق الدقيق” يعني أن على البنك أن يقوم بمطابقة المستندات وفقا للمذكور في بنود وشروط الاعتماد تطابقا كاملا وحرفيا. وهذا يعني أن يرفض البنك قبول المستندات المقدمة له، لأنها غير مطابقة تماما وبالتالي عدم سداد القيمة، وهذا يحدث إذا كانت المستندات لا تتطابق حرفيا مع البنود المدونة في الاعتماد. وهذا التصرف من البنك يستند الي القاعدة الأصولية التي تنص أن “البنوك تتعامل في الاعتماد المستندي بالمستندات وحدها ولا تتعامل بالبضائع”.  ان مبدأ المطابقة الحرفية بين المستندات المقدمة وشروط الاعتماد، ينبع من مبدأ الإستقلال “أوتونومي”، بين خطاب الاعتماد والعقد التجالري المبرم بين المصدر والمستورد، وذلك نظرا لأن البنك يصدر للمستفيد الاعتماد الذي يتضمن تقديم المستندات والشروط الواجب توافرها في المستندات. وخطاب الاعتماد الصادر للمستفيد يعد مستقلا تماما عن عقد البيع المبرم بين المستفيد والعميل (المصدر والمستورد) وعليه فإن خطاب الاعتماد ينشئ للمستفيد حقا حرفيا يجب التقيد به. ووفقا لهذا المعيار لا يجوز للبنك تفسير الشروط التي نص عليها الاعتماد أو التي تضمنتها تعليمات العميل للبنك المصدر، أو التي تضمنتها تعليمات البنك المصدر للمستفيد.

من الناحية العملية، وحتي يتم تطبيق معيار التطابق الحرفي الدقيق، فان هذا يتطلب أن تكون التعليمات الصادرة من العميل واضحة ومحددة ويجب أن يكون وصف البضاعة في الفاتورة مطابقا تماما لوصفها في خطاب الاعتماد. ولا يجوز للبنك أن يفسر أو يؤول الشروط الواضحة التي لا لبس فيها وحرية البنك في التفسير لا تكون إلا في الحالات التي تكون فيها عبارات الاعتماد غير واضحة. والبنك أيضا ليس له أن يرفض تنفيذ الاعتماد متذرعا بالحفاظ على مصلحة عميله، كما ليس له أن يقدر صلاحية المستندات بالاستناد إلى أسباب خارجة عنها، وإذا قام البنك بالدفع مقابل مستندات مخالفة لتعليمات عميله، فلا يجوز له بعد التنفيذ أن يتذرع بأن المستندات ملائمة له وتحقق مصلحته. وعليه ووفقا لهذا المبدأ فإن المطابقة التي يجب على البنك القيام بها هي المطابقة “المادية” للوثائق دون تقدير أهمية الاختلاف بين الوثائق وشروط الاعتماد، والبنك الذي يخرج عن مبدأ الحرفية وفقا لهذا المعيار الخاص بالمطابقة المادية يفقد حقه في إسترداد ما دفعه للمستفيد.

هناك إستثناءات لقاعدة التطبيق الحرفي تمت الاشارة لها في القواعد والأعراف الموحدة، كتلك التي تتعلق بكمية البضاعة إذا تم تحديدها على أساس الوزن لا على أساس الرزم. وإستثناءات المصطلحات مثل حوالي تقريبا، بالتقريب، المتعلقة بكمية البضاعة أو قيمة الاعتماد أو سعر الوحدة والتي تسمح بزيادة أو نقص بمقدار 10 % من الكمية أو القيمة أو سعر الوحدة. والسماح بتغيير وسيلة النقل شريطة أن تكون كامل الرحلة مغطاة بنفس سند الشحن على ألا يمنع ذلك الاعتماد صراحة. وكذلك في حالة الاعتماد القابل للتحويل، إذا قدم المستفيد الثاني مستنداته التي تختلف عن المستندات المطلوبة في الاعتماد ولم يقم المستفيد الأصلي باستبدال مستنداته بمستندات المستفيد الثاني عند أول طلب، فإن مستندات المستفيد الثاني تعد مقبولة في ظل الاعتماد الأصلي. ومن الاستثناءات أيضا، تلك المتعلقة بالأخطاء الفنية التي يصعب إدراكها، والمستندات التي تتضمن الخطأ الفني تعد مقبولة. 

كل إعتماد يتضمن تحديد الفترة الزمنية التي يكون صالحا خلالها للتنفيذ، وعلى المستفيد أن يقوم بتقديم مستنداته خلال هذه الفترة وعليه تقديم جميع المستندات المطلوبة في الاعتماد. واذا أوفى البنك مقابل مستندات ناقصة يتحمل المسؤولية، ويجب أن تكون جميع المستندات المطلوبة موجودة، من حيث عددها ونوعها.وعندما يطلب تقديم مستند معين، يجب على المستفيد ألا يدفع بأن المستند لا قيمة له بالنسبة للعميل، أو أن إشتراط تقديمه غير عملي أو غير معقول. وفي كل الأحوال، فان المستندات المطلوبة من المستفيد هي جميع المستندات التي تضمنها خطاب الاعتماد. وفيما يتعلق بصلاحية المستند يجب على البنك أن يقبل فقط المستندات التي تبدو في ظاهرها صادقة والتي لا يوجد عليها أي تشطيب، إلا إذا كان هذا التشطيب موقعا. وأن يكون السند موقعا ليؤدي وظيفته، وأن تكون المستندات نافذة المفعول وإلا كان تقديمها بدون جدوى. والمستندات المتأخرة التقديم يفترض أن المستند سليم في شكله لكنه يقدم للبنك بعيدا عن تاريخ الشحن، والقواعد والأعراف الموحدة تحدد فترة 21 يوما بعد تاريخ الشحن لتقديم المستندات، مالم يتفق في الاعتماد على خلاف ذلك.

تقوم الاعتمادات المستندية بدورها الهام، عبر المستندات فقط، ومن هنا نقول أن على البنوك الحرص والالتزام بالعناية المطلوبة.

لهذا يجب الاهتمام بالتدريب في هذا المجال لتسير الأمور وتكتمل الخدمة بنجاح. وعلى الزبون والمستفيد أيضا تقع نفس المسؤولية وان اختلفت الدرجات، ولكن المسؤولية مشتركة في فهم طبيعة الاعتمادات المستندية والعمل وفق المتطلبات السليمة. وستظل خدمة الاعتمادات المستندية ذات أثر هام في دعم الزبائن والحركة التجارية، وهي تعتبر من الخدمات المصرفية الهامة لدعم التجارة الخارجية.

* مستشار وخبير قانوني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية