
يمكن نقول بكل ثقة إن استضافة البحرين للقمة الخليجية السادسة والأربعين جاءت في الوقت الصح. العالم اليوم يعيش تحوّلا اقتصاديا غير مسبوق، ومن يتأخر خطوة واحدة... قد يفوّت قطار المستقبل بالكامل. التغيّر واضح في كل مكان (طاقة متجددة، ذكاء اصطناعي، أمن غذائي، صناعة رقمية، وتحوّل في مفهوم الوظيفة نفسها). وهنا يظهر السؤال الاقتصادي الأهم: هل يكفي أن تتحرك كل دولة خليجية لوحدها؟
الجواب بكل وضوح... لا
المستثمر العالمي اليوم لا يبحث عن سوق صغيرة، ولا يحب أن يواجه ستة قوانين مختلفة في ست دول. هو يبحث عن سوق خليجية موحدة واضحة وسهلة في الإجراءات. ومن هنا، يمكن للقمة أن تفتح الباب أمام “تكامل اقتصادي فعلي”. يمكن للقمة أن تمثل بداية عمل لمرحلة جديدة.
من النفط إلى صناعة الفرص
الخليج يملك ثروة نفطية كبيرة، لكن العالم يتحول نحو اقتصاد جديد يعتمد على المعرفة والابتكار والبيانات. والسؤال الذي نسمع اليوم أكثر من أي وقت: ماذا بعد النفط؟
بدأنا نرى تحركات واضحة في بعض القطاعات: تصنيع ذكي - اقتصاد رقمي وتجربة المتسوق الإلكتروني - مراكز البيانات والتقنية المالية (FinTech) - السياحة النوعية والمؤتمرات الدولية.
تعليم يخلق وظيفة... وليس مجرد شهادة
لكن نجاح هذه الخطوات يحتاج منظومة خليجية مشتركة، وليس جهودًا متفرقة. تخيل لو كانت هناك “شبكة اقتصادية مشتركة” بدل تكرار نفس المشاريع في كل دولة: دولة تقود الطاقة المتجددة، ثانية في الصناعة التحويلية، ثالثة في التكنولوجيا والمال، ورابعة في الأمن الغذائي والصناعات الدوائية. هذه الصورة ممكنة... لو توحّد القرار.
أرقام تقول الكثير
اليوم حجم التجارة البينية الخليجية يتجاوز 100 مليار دولار سنويًّا، ورغم ذلك ما زالت الفرص أكبر بكثير. فكل زيادة بمعدل 5 % فقط تعني خلق آلاف الوظائف للشباب وتحريك قطاعات متعددة في وقت واحد. كذلك، حجم الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي الخليجي مرشح ليتجاوز 20 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة — وهذا دليل أن المستقبل يكتب الآن... فلا بد أن نكون جزءًا من كتابه.
دور البحرين... الصغيرة في المساحة الكبيرة في التأثير
البحرين أثبتت خلال السنوات الأخيرة أن حجم الدولة لا يحدد حجم تأثيرها. صارت مركزًا ماليًا وتقنيًا، وبيئة تستقطب الكفاءات والاستثمارات، وتفتح أبوابها للمؤتمرات العالمية. والجميل أن استضافة القمة اليوم ممكن تفتح الباب لمبادرات عملية مثل:
- ربط البورصات الخليجية
- منصة موحدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي
- مجلس خليجي للأمن الغذائي والصناعات الدوائية
- شبكة اقتصادية مشتركة
كلمة من القلب
العالم ما عاد يقيس الدول بثروتها... بل بقدرتها على توفير فرص حقيقية للجيل القادم. اليوم علينا أن ننتقل من مرحلة إدارة الثروة إلى مرحلة صناعة الثروة، ومن فكرة “كل دولة بروحها” إلى مفهوم “الخليج الواحد... برؤية اقتصادية واحدة”.
ربما تكون هذه القمة هي بداية التحوّل.
بداية سوق خليجية موحدة تنافس العالم.
وممكن تكون رسالة بسيطة ولكن قوية:
الخليج مستعد للمستقبل... وسنصنعه بأيدينا.
المستشار علي عبدالله البستكي
خبير مصرفي ومستشار اقتصادي