العدد 6199
السبت 04 أكتوبر 2025
رسوم التعليم الخاص بين القانون وقدرة الأسرة
السبت 04 أكتوبر 2025
  • دعوات في البحرين لتشديد الرقابة وربط زيادة الرسوم بمؤشرات موضوعية

  • إلى أي مدى يحق للدولة التدخل في تحديد أو ضبط رسوم المدارس الخاصة

 

مما لا شك فيه أن التعليم يمثل أحد أهم ركائز التنمية المستدامة ومرتكزًا أساسياً في بناء المجتمعات الحديثة، إذ يرتبط مباشرة بترسيخ قيم العدالة الاجتماعية وإنتاج الكفاءات التي تقود عجلة الاقتصاد غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن معضلة متفاقمة تتعلق بارتفاع رسوم التعليم الخاص، وهو ما يثير إشكاليات قانونية واقتصادية عميقة تتصل بحقوق الأسرة، ودور الدولة، وحدود سلطة المؤسسات التعليمية الخاصة في فرض رسومها.

لقد أصبح التعليم الخاص في كثير من الدول العربية، بما فيها البحرين ودول الخليج ومصر وتونس، خيارًا لا غنى عنه لفئات واسعة من الأسر التي ترى فيه ضمانًا لجودة تعليمية لا يوفرها التعليم العام أحيانًا إلا أن هذا الخيار تحوّل تدريجيًا إلى عبء اقتصادي ثقيل يثقل كاهل الأسرة، بحيث صار التعليم في بعض مراحله أقرب إلى سلعة يُحتكر ثمنها، أكثر من كونه خدمة اجتماعية ذات رسالة إنسانية وتنموية.

الإطار القانوني تتنوع التشريعات المنظمة للتعليم الخاص من دولة إلى أخرى، لكنها في عمومها تقوم على مبدأ منح التراخيص ومراقبة جودة التعليم، دون التدخل الكافي في مسألة الرسوم الدراسية ففي البحرين مثلاً، تخضع المدارس الخاصة لرقابة وزارة التربية والتعليم، إلا أن مسألة تحديد الرسوم أو ضبط زيادتها السنوية ما زالت محل جدل مستمر بين الأسر والإدارات المدرسية وينطبق الأمر ذاته على معظم دول الخليج، حيث تكتفي التشريعات بفرض بعض الالتزامات الإجرائية كالإعلان المسبق عن الرسوم، دون وضع سقف قانوني صارم يحمي الأسرة من المغالاة.

أما في مصر، فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الشكاوى من الأسر ضد المدارس الخاصة والدولية بشأن ارتفاع الرسوم بشكل غير مبرر، الأمر الذي دفع وزارة التربية والتعليم إلى فرض قيود على نسب الزيادة السنوية وربطها بضوابط محددة، غير أن التطبيق العملي يكشف عن محاولات مستمرة من بعض المدارس للتحايل على هذه الضوابط عبر فرض رسوم تحت مسميات مختلفة

وفي تونس، يظل الجدل قائمًا حول مدى حاجة التعليم الخاص إلى تنظيم قانوني أشد صرامة يحمي حق الأسرة ويوازن في ذات الوقت بين مصلحة المستثمرين في القطاع التعليمي ومصلحة المجتمع.

البعد الاقتصادي

من الزاوية الاقتصادية، فإن رسوم التعليم الخاص تمثل بندًا ثابتًا ومتزايدًا في ميزانية الأسرة، خصوصًا الطبقة الوسطى التي تتآكل قدرتها الشرائية بفعل التضخم وارتفاع الأسعار إذ تشير الإحصاءات في بعض الدول الخليجية إلى أن نسبة كبيرة من دخل الأسرة يذهب لتغطية نفقات التعليم الخاص، وهو ما يؤدي إلى تراجع القدرة على الادخار أو الاستثمار في مجالات أخرى.

كما أن المبالغة في الرسوم قد تفرز آثارًا اقتصادية سلبية على المدى الطويل، منها تعزيز الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، حيث يصبح التعليم الجيد حكرًا على القادرين ماديًا، بينما يُترك أبناء الأسر محدودة الدخل لتعليم عام يفتقر أحيانًا إلى الإمكانيات الكافية وهذه الفجوة لا تؤثر على العدالة الاجتماعية فقط، بل تنعكس أيضًا على سوق العمل الذي يعاني من تباينات حادة في مستوى الكفاءات والمهارات.

مسؤولية الدولة

تثور هنا إشكالية قانونية محورية: إلى أي مدى يحق للدولة التدخل في تحديد أو ضبط رسوم المدارس الخاصة؟ فالتعليم الخاص بطبيعته يُدار من قبل مستثمرين يسعون لتحقيق عائد مالي، لكن الرسالة التعليمية ذات طابع اجتماعي يجعلها تتجاوز فكرة الربح البحت ومن ثم، فإن الموازنة بين الحرية الاقتصادية للمؤسسات التعليمية الخاصة وحق المجتمع في تعليم ميسر التكلفة تمثل معضلة تحتاج إلى حلول مبتكرة.

في البحرين، ظهرت دعوات لتشديد الرقابة على الرسوم وربط زيادتها بمؤشرات موضوعية مثل معدلات التضخم أو تحسين الخدمات التعليمية وفي السعودية، شهدنا مؤخرًا خطوات عملية من وزارة التعليم لفرض رقابة أشد على الرسوم الدراسية وإلزام المدارس بالإفصاح المالي أما في مصر، فقد صدر أكثر من قرار وزاري لتقييد الزيادة وربطها بنسب محددة، غير أن التنفيذ يظل العقبة الكبرى.

القضاء والرقابة

لا يغيب عن البال أن القضاء الإداري في بعض الدول أصبح ساحة يلجأ إليها أولياء الأمور للطعن على قرارات المدارس الخاصة بفرض زيادات غير مبررة إلا أن فعالية هذا المسار تتوقف على وضوح النصوص القانونية التي تحدد صلاحيات الجهات الرقابية ومعايير مشروعية الزيادة في الرسوم.

ومن هنا تتجلى أهمية وضع آلية قانونية أكثر صرامة، كإنشاء لجان مستقلة مختصة بالنظر في شكاوى أولياء الأمور ضد المدارس الخاصة، أو فرض إلزام بالإفصاح المالي الكامل يوضح أوجه إنفاق الرسوم الدراسية بما يعزز من مبدأ الشفافية والمساءلة.

رؤية اقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، لا يمكن إنكار أن التعليم الخاص أصبح قطاعًا استثماريًا ضخمًا يدر أرباحًا كبيرة ويسهم في الناتج المحلي، خصوصًا في دول الخليج حيث يتزايد الإقبال على المدارس الدولية لكن هذا الواقع لا ينبغي أن يجعل الرسوم الدراسية رهينة منطق السوق وحده، بل يجب أن تُصاغ تشريعات تراعي طبيعة الخدمة التعليمية كحق أساسي للطفل وركيزة من ركائز التنمية.

رؤية قانونية

ولا ريب أن الحل يكمن في إرساء معادلة قانونية تحقق التوازن بين مصلحة الأطراف الثلاثة: المدرسة، والأسرة، والدولة إذ يمكن أن تنص القوانين على وضع سقف سنوي للزيادة في الرسوم مرتبط بمعدل التضخم أو تحسين الخدمات الفعلية المقدمة للطلاب، مع إلزام المدارس الخاصة بتقديم بيانات مالية مدققة توضح أوجه إنفاقها، على أن تخضع هذه البيانات لرقابة وزارة التعليم أو هيئة مستقلة.

كما يمكن الاستفادة من التجارب الأوروبية التي تمزج بين دعم الدولة للتعليم الخاص عبر الإعفاءات الضريبية، وفي المقابل إلزام المدارس بحدود واضحة للرسوم وهذا النموذج يحقق معادلة وسطية تحمي الأسرة من الاستغلال وتتيح للمستثمر تحقيق عائد معقول.

إن التعليم ليس سلعة تخضع فقط لقانون العرض والطلب، بل هو حق أساس محمي بالقانون وشرط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم، فإن أي تشريع لا يضع حماية الأسرة في قلبه سيظل عاجزًا عن تحقيق العدالة التعليمية المنشودة.

 

* مستشار مصري مقيم في عُمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية