+A
A-

للقراءة: "كتابات خارج النسق“ لعمر مهيبل

هذه قراءات ذاتوية للفلسفة وللفكر الغربي بعامة، كتبتها على فترات زمنية متباعدة تماماً كما كانت عليه الحال في كتاب من النسق إلى الذات ما يجعل من تواترها الزمني ومن انسجامها النظري المطلق أمراً غير بديهي فما سبب انحيازي لكتابة المقال إذن بالرغم من المخاطر المنهجية والمعرفية القائمة في أفقه إن انحيازي للتأليف عبر المقال مرده اعتقاد راسخ تشكل لدي عبر الممارسة بأن المقال هو أقرب منفذ للتعبير عن الراهن الفلسفي المتداول في حيز ثقافي واجتماعي معين، وهو يفيض بحساسية فلسفية طبيعية يفرزها الباحث أو المفكر وهو يعاني إرهاصاتها الحقيقية بعيداً عن صورة الحكيم المتقوقع في صومعته بكل بهاراتها المصطنعة. أضف إلى ذلك أمراً في غاية الوجاهة وهو استحالة إدراك الوتيرة المتسارعة للحياة المعاصرة في مختلف مناحيها ما يحتم على الباحث ابتكار طرق تبليغ آنية وسريعة تتمكن من ملامسة فعل الكون وهو في بدايات تشكله، علماً أن الكثير من فلاسفة الغرب، والمعاصرين منهم على وجه الخصوص، قد وجدوا في هذه الطريقة ملاذاً آمناً لهم يخلصهم من إرهاق تنميق الكتب الضخمة ويجعلهم في تواصل مستمر وحقيقي وماهوي مع القضايا التي يناقشونها ويخلصهم في الوقت ذاته من الاختصاصات الفلسفية الضيقة جداً التي تجعل الباحث أو المفكر مضطراً لاستنشاق هواء فاسد من لون واحد، مع ذلك فإن القاسم المشترك بين مقالات هذا الكتاب جميعها هي أنها، كما قلت قراءات ذاتوية، بل موغلة في الذاتوية، لجهة أنني لا أرى حدوداً فاصلة بيني و بين من درستهم، و قدمت تأويلات وتفصيلات نظرية حول كتاباتهم ليس بسبب ادعاء دانكيشوطي لا أساس يدعمه. ولكن لأنني أنظر إلى الأمر نظرة لغوية تكاملية همها إيجاد نقاط تلامس واشتباك بين المفاهيم والأفكار المزروعة عبر النظريات الفلسفية التي قد تبدو أحياناً متباعدة، في حين أن تتبع سيرورة اللغة وألاعيبها سواء الرمزية منها أو الكاشفة قد تقضي بنا إلى عالم فلسفي جديد متعدد الإحالات انطلاقاً من فكرة بسيطة المبنى عميقة المعنى وهي أن الفلسفة، أو لنقل فعل التفلسف لا تتم فعالياته إلا في اللغة وباللغة ما يوسع من قدرة الاستيعاب والتخزين في ذاكرة الفرد المبدعة وهو ما أسعى جاهداً لبلوغه تأليفا وترجمة.

مبحث التواصل ومسألة اللغة

إن بحث هذا الموضوع يحقق لي حُلمين كبيرين شكلا محور اهتمامي الفلسفي منذ عقدين ونيف: الحلم الأول الذي كابدت من أجله صعابا معرفية جمة هو توطين مفهوم التواصل في بعده الفلسفي الأكثر نضجا في المخيال الثقافي المغاربي والعربي بعامة وذلك عبر كتابات متعددة يقف على رأسها كتابنا التأسيسي إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة، والذي دعم بشكل متواصل بترجمات رديفة تخدمه وترسخه أهمها كتاب فلسفة التواصل ** للفيلسوف الفرنسي جان مارك فيري Jean Marc Ferry .

الحلم الثاني ويتمثل في أنني أدركت وعلى تواضع جم، أهمية البعد  اللغوي الألسني في توجيه دفة الانشغالات الفلسفية المعاصرة والراهنة، وذلك لجهة التداخل القائم بين الفروع المعرفية المختلفة، وكذا للأهمية البالغة التي حصلتها البحوث الألسنية تباعا، والثورة التي أحدثتها في مستوى البنية اللغوية العادية، أضف إلى ذلك أن مباحث الميتافيزيقا التقليدية أصابها التآكل ودخلت حلقة الاجترار ما جعلها في أمس الحاجة إلى بعث عناوين جديدة تكفل لجرثومة الفلسفة، كما يرى جيل دولوز Gilles Delete من أن تستوعب عصرها بكل حمولته المعرفية المساوقة. لذا، وتأسيسا على ما سبق، سأسعى في هذا البحث إلى استجلاء مختلف الرهانات والاستشكالات التي قامت في أفق الألسنية، والتداولية، وفلسفة التواصل والنظرية النقدية لأنها في النهاية تنهل من منهل واحد وهو مبحث اللغة بكل حيثياته.

أولا: من الألسنية إلى التداولية

لقد شكلت محاولة فردناند دي سوسير Ferdinand De Saussure لإرساء تصور علمي صارم عن اللغة لحظة فائقة الدلالة ليس في مجال اللغة فحسب، بل في مجال الفكر الفلسفي والأدبي بعامة، ذلك أن قوله بأن اللغة بناء أو نسق قائم بذاته، منغلق على ما دونه من المؤثرات الخارجية التاريخية والتطورية ومستند إلى الدراسة الآنية التزامنية دون غيرها بحيث تتحول اللغة في النهاية إلى مجرد عملية صورية تفصح عن كينونتها عبر آلية التكلم، فالصوت هو بداية الكون ونهايته بالرغم من أنه أي دي سوسير كان يعتقد أيضا على استحياء، أن اللغة ظاهرة اجتماعية أيضا بمقدار ما هي ظاهرة فردية خاصة(1). على أن هذه النظرية العلمية الصارمة للغة كما بلورها دي ،سوسير وإن وجدت من يثمنها على ما هي عليه بخاصة في أوروبا، فإن سهام النقد بدأت توجه إليها في أماكن أخرى وتحديدا في العالم الأنجلوساكسوني. فقد تواطأ أغلب الفلاسفة والباحثين وعلماء اللسانيات على أهمية ما توصل إليه دي سوسير في مستوى البنية الشكلية للغة، أي فيما يخص دراسة اللغة كنسق مغلق لا منفذ له أو إليه، إلا أنهم استغربوا فيما يشبه التساؤل الكانطي الشهير حول استخدامات العقل، كيف أنه لم يتبادر إلى ذهن دي سوسير السؤال التالي: أين توجد هذه اللغة التي نحن بصدد الحديث عنها، ومن الذي يستخدمها وكيف؟

الإجابة عن هذا السؤال البديهي والبدئي شكلت في حقيقة الأمر مجمل المحاولات التي طبعت الدراسات اللغوية الأنجلوساكسونية، إذ ركزت عبر تلويناتها المختلفة على أن اللغة ليست كيانا مغلقا وجزيئيا أي micro structure كما يرى جوشيا فيشمان Joshua Fishman مؤسس ما صار يعرف في أمريكا بالألسنية الاجتماعية Sociolinguistique ، وإنما هي في تواصل دائم مع محيطها الاجتماعي والجغرافي ،أيضا ما يجعلها عنصرا فاعلا شبكة أوسع يطلق عليها البنية الكلية macro structure فإذا كانت وظيفة اللغة الأساس هي الإبلاغ والتواصل فكيف يمكننا أن نتصور وجود هذه الفاعلية دون مجتمع محدد، في زمان مضبوط ومكان معلوم أيضا، وإلا ما الفائدة التي نحصلها من هذه اللغة حتى وإن بلغت أسمى صور الدقة وأقصى درجات العلمية والموضوعية، وعليه يخلص فيشمان إلى أن الفرد والمجتمع كليهما مكمل للآخر لإتمام عملية التواصل الاجتماعي في شكله الأمثل والأنضج الذي يطلق عليه نعت الجماعة الألسنية Communauté linguistique(2) .

هذه اللغة بما هي التجسيد الفعلي لأرقى أنواع التخاطب والتواصل كان قد عزا إليها الألسني الشهير رومان ياكوبسون Roman Jakobson ست وظائف أساسية تلخص من جهة مستويات التخاطب، ومن جهة ثانية تلخص مستويات الممارسة هذه الوظائف هي : 

الوظيفة التعبيرية fonction expressive الوظيفة المرجعية fonction référentielle الشعرية الوظيفة التأثيرية fonction conative الوظيفة الشعرية fonction poétique الوظيفة ما بعد اللغوية أو الوظيفة الواصفة fonction métalinguistique ، والوظيفة التحفيزية fonction phatique بيد أن الاستفادة من هذه الوظائف بالطريقة المثلى يستوجب ولوج مستوى دلالي آخر هو مستوى الترميز والتأويل في آن واحد . فالتأويل، وكما يرى بول ريكور Paul Riccur خلاصته مجاوزة الوظيفة المباشرة للغة بغرض البحث عن الحقيقة الكامنة وسط حقائق متعددة، حتى لا نقول متنافرة، فكل نص هو في المحصلة نسيج من العلامات والرموز المنضوية داخل سيرورة قابلة للتأويل المتجدد على الدوام، ما يعني أن الحقيقة هي دائما نسبية لأنها تولد باستمرار، ولأنها حمّالة أوجه بحسب تعدد السياقات وتنوعها.

هذه النظرة التي عملت على موقعة اللغة داخل سياقها الاجتماعي ما جعلها تستنفذ طيبات علوم رديفة لها هي السوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا اللغة، والتي قابلها في الضفة الأخرى مبحث بدأ ينمو بسرعة كبيرة، وحيث أفصح عن خصوبة معرفية ومنهجية واضحة هو مبحث التداولية ها pragmatique ذلك أن التداولية وعبر بنيتها القاعدية المستندة إلى اللغة كمدخل مفتاحي لأية معرفة ممكنة، كان بمثابة الضامن لاستمرار بناء هيكليتها الداخلية على جميع المستويات هذا الأمر بدا جليا منذ توارد الإسهامات الأولى لأحد أقدم المؤسسين لهذا المبحث وهو الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرس پیرس Pearces مرورا بزميله تشارلز موريس Ch. Morris ووصولا إلى ديتر بوهلر Bahler. . في ألمانيا، ومن ثمة عند كل من أوستين Austin .. وسورل Searle ..... وغريس Grice في بريطانيا.

إن غالبية القائلين بالتداولية يثمنون المكاسب الهامة التي حصلتها الألسنية على الأقل في مستويين اثنين:

أ - من حيث إن اللغة مستقلة عن الواقع ما يؤدي في النهاية إلى فك الارتباط القائم بين المعنى وبين الواقع.

ب - تباين الآفاق الإدراكوية التي تعبر عنها كل لغة بحيث تجعلها مميزة عن الآفاق الأخرى في النهاية، فكل لغة هي بنية دالة منغلقة على ذاتها، ومن ثمة  فهي تمتلك إدراكها الخاص بها، وقد دافع عن هذه الفكرة الألسني الأمريكي إدوارد سابير Sapir ... في كتابه الشهير التعبير أو الكلام Le langage حيث عرفت السنيته بالألسنية النسبية (4)

كما أنهم ثمنوا في الوقت ذاته المجهودات التي بذلتها جمهرة السيميائيين بعامة، بغرض إخراج مبحثهم من منطقة الظل إلى واجهة المساءلة المعرفية والمنهجية بخاصة في مجال اجتهادهم الأول وهو العلامة Le Signe، انطلاقا من أن العلامة كما يرى أمبرتو إيكو Umberto Eco في كتابه السيميائيات وفلسفة المعنى كيان واسع الامتداد كيان يشكل حلقة وسطى بين نظام الأشكال والصيغ اللامتناهية للتعابير الإثباتية والاستفهامية والآمرة على حد سواء، في حين ترى الناقدة الفرنسية جوليا كريستيفا Julia Kristeva أن العلامة تتأسس قبليا بالاعتماد على مقولة التشابه فهي دائما تنزع لاختزال الكثرة وإرجاعها إلى الوحدة الواصفة، وبمعنى آخر، اختزال الذات والموضوع داخل الرسالة بحيث تصبح العلامة الطبيعية مطابقة للعلامة اللغوية وهنا مكمن التحول المفصلي في هذا المبحث.