العدد 5341
الثلاثاء 30 مايو 2023
banner
الوحش الذي ربيناه فالتهمنا... كيف تنجو من المذبحة المقبلة أيها الإنسان؟
الثلاثاء 30 مايو 2023

أزاح نظارته المقعرة لأسفل قليلا على أنفه الغليظ، ورمقني من أعلى النظارة بنظرة غاضبة وأنا واقف أمامه في خجل، وقال ساخرا: فأل الله ولا فألك يا أخي.
ارتعش شاربي الغض في وجهي الشاحب، ارتباكا من رد فعله المباغت، وكنت خريجًا حديثًا من الجامعة في النصف الثاني من التسعينات، أدور بأفكار موضوعاتي الصحافية على مقرات الصحف المحلية ومكاتب الصحف الخليجية، وظننت أني سأدهش بفكرتي الجديدة تلك، هذا الأستاذ المعروف بدعمه للشباب ومنحه الفرص لهم، كانت الفكرة التي أعجبتني وأغضبته هي: هل يطيح الإنترنت بالصحافة الورقية؟
على بُعد ربع قرن بعد تلك الواقعة، يهاتفني موظف كان يعمل لدى صديق استغنى عنه إلى جانب آخرين من موظفي شركته، يشكو لي حاله، ويطالبني بأن أتدخل بالكتابة ضد الوحش المسمى الذكاء الاصطناعي، لوقفه قبل أن يبتلع المزيد ويطيح بآخرين أمثاله.
توسطت لدى صديقي فأخبرني أنه ثبت تطبيق chat GPT4، وأخذ يطلب منه المهام التي كان يصدرها لموظفيه المبرمجين والسكرتارية المسرحين: كتابة أكواد، تلخيص مراسلات مطولة، مراسلة عملاء، كل ذلك يتم إنجازه بمجرد أمر مكتوب في خانة المحادثة مع التطبيق، فما حاجته لهذا الموظف وغيره؟
“مهددة بالفناء القريب، ولا ريب” رددت العبارة أمام الأستاذ الغاضب على شاب حديث التخرج ـ أنا ـ يريد أن يناقش فكرة أن الصحافة نفسها، وباعتبارها مهنة حديثة، مهددة في وجودها، وكنا بالعام 1997، كانت الانترنت مجرد أداة نخبوية، لا يلج إليها دهماء وغوغاء، كما يجري حاليًا، فقط مقصور استخدامها على الخاصة، لذلك هب الأستاذ بتسفيه الفكرة.
 لا أزعم أنني كنت أقرأ الغيب، وأن الصحافة، بعد أقل من ربع قرن من تلك الواقعة، سيتراجع تأثيرها، لكنني كنت وقتها مسكونا بهاجس الخشية على مهنة ـ التحقت بها عشقا ـ ربما لا يكون ثمة مستقبل لها، أرتعب من أن أصير مثل السقاء المتقاعد الذي كان يجلب قربة الماء فوق ظهره إلى بيت جدي الكبير، فلما أدخل أبي مواسير المياه للبيت، التحاقا ببيوت القرية الأخرى، وجد السقاء نفسه بلا مهمة، فانزوى ومات، وتداولت الألسنة وقتها المثل العتيق: السقا مات.
وأنا خارج من مكتب الأستاذ محبطًا، أوقفني صوته: أعمل الموضوع، حلو.
ورغم أن تقديرات أساتذة الإعلام، الذين التقيتهم استطلاعا لآرائهم في التحقيق الصحافي، تباينت بين اعتبار الانترنت تهديدًا جديا، وبين اعتباره مثل التهديدات الأخرى ـ كالراديو ثم التليفزيون ـ التي أعقبت ظهور الصحافة، ولم تقتلها كما كان متوقعًا وقت ظهورها، إلا أن الدوافع النفسية اللاشعورية التي نادتني في البداية لدخول المهنة، جعلتني أميل لتصديق الفرضية الثانية، وأن الصحافة لن تموت، وسيظل الصحافي حيًا، ولن يموت كالسقاء.
تمر أربعة أعوام على تلك الواقعة القديمة، يستدعيني الأستاذ للعمل معه في ملحق صحافي أسبوعي متخصص في تقنيات المعلومات، مطلع الألفية حمل إلينا ثورة أكبر، أحيا الخبراء ـ الذين كنت ألتقيهم لاستطلاع آرائهم في القضايا المعلوماتية ـ الهاجس مجددًا بداخلي.
 كنت أرى أنني أشارك في تغذية وحش يوشك أن يلتهمني وزملائي عما قريب، كان الخبراء وقيادات شركات التقنية يتكلمون عما يحلمون به مستقبلا من تقنيات متطورة يمكنهم تقديمها، أنشر آراءهم وأنا أضع يدي على قلبي.
 اليوم فاقت التطورات أشد الكوابيس بؤسا ووحشية، أتذكر اليوم أفلام الخيال العلمي الأميركية التي تتحدث عن احتلال الآلات للأرض، وتحكمها في البشر وأتساءل: كيف لم نر ما رآه مؤلفوها؟
بالأمس أنزلت التطبيقات والوسائط المختلفة الصحافة الورقية من على عرشها، اليوم بات الذكاء الاصطناعي مهددًا لا للصحافيين وحسب، ولكن لكل من يعمل عملا ذهنيا من: مبرمجين، مهندسين، محاسبين إلخ.
لن يبق مطمئنا ـ إلى حين نضوج الروبوتات واشتداد عودها ـ سوى الحرفيون العاملون بأيديهم، مثل السباكين والنجارين وعمال التوصيل إلخ، الروبوتات ستحيلهم للتقاعد أيضًا.
طال الأذى الموتى، بعد الأحياء، مشاهير المطربين القدامى يغنون اليوم بالذكاء الاصطناعي أغاني حديثة، عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم تنتشر مقاطع بأصواتهم اليوم، الملحن عمرو مصطفى أجرى تجربة بصوت كوكب الشرق، ونشرها على صفحته ليثير جدلا كبيرا. 
إذن، سنصبح عما قريب في مواجهة أنشطة زائفة، لن نفرز فيها المنتج البشري من المولد آليا، ستُنتهك الملكية للإنسان بعد انتهاكه هو نفسه.
منذ مطلع العام الحالي ـ أي منذ انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي ـ صرنا كمن فوجئ بكائنات فضائية فائقة الذكاء والمهارة، نزلت الأرض لتحيل ملايين البشر للتقاعد، ولتعمل هي بامتياز في دقائق، ما كانوا يعملونه في شهور بدرجة متوسطة. 
المؤسسة التي أطلقت الوحش من عقاله، اسمها open AI، يترجمها عقلي رغما عني إلى: فتح أبواب الجحيم، رغم أن هدفها منذ تأسيسها قبل سبع سنوات، كان هدفًا نبيلأ، فهي مؤسسة غير هادفة للربح، وتسعى لجعل البحوث التقنية مفتوحة المصدر، أي أن أكوادها متاحة للجميع.
اليوم دخلت جوجل السباق، ثم ميكروسوفت، كل فيما يهمه ويضمن موقعه في الثورة الجديدة، وطورت في محركات بحثها ما يجعل أدواتها أكثر مرونة وفاعلية. 
في مواجهة الوحش، سينتقم المبرمجون ـ الذين صنعوا الوحش فالتهمهم ـ بإنتاج تقنيات تسعى لكشف منتج الذكاء الاصطناعي وتفريقه عن البشري.
سيقاتل الإنسان لأبعد مدى دفاعا عن وجوده، سيطور من ذاته، سيخترع أدوارًا لنفسه، سيمتطي أظهر تقنيات الذكاء الاصطناعي الهائجة مثل ثيران إسبانيا لكي يخضعها.
من سينجو من المذبحة؟ المتأقلم سريعًا، المتطور بلا توقف، المتابع لكل جديد، والمتعمق فيما يفيد، القابل لامتصاص كل حديث وهضمه وإعادة إنتاجه بشكل مختلف، الموغل في أعماق إنسانيته بحثًا عما هو متميز وخلاق، فالذكاء الاصطناعي بلا عاطفة ولا إنسانية ولا أخلاق.
الرابح على كل حال هو الشركات العملاقة وكبار المستثمرين، تخيل حجم الوفر الناتج عن خفض العمالة واستبدالها بما هو أمهر وأكثر كفاءة وأقل كلفة.
أود الآن أن أختبركم: هل تعتقدون أن مقالا كهذا مولد بالذكاء الاصطناعي؟ إذا كانت الإجابة بـ “لا” فلماذا تستبعدون ذلك؟ وإذا كانت بـ “نعم” فلماذا ترجحونها؟
أجيبوا أسفل المقال ـ بالموقع ـ وسأصدقكم القول تعليقًا على إجاباتكم.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية