الخوف والقلق جزء من التجربة الانسانية
د. هيا النعيمي: تكرار نوبات الهلع وشدتهــا مؤشر لضــرورة طلب مساعدة نفسية متخصصة
تُعرَّف نوبات الهلع بأنها موجات مفاجئة من الخوف الشديد والضيق تستمر لدقائق عدة، وتكون مصحوبة بأعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، وألم الصدر، والدوار، وغالبًا ما تحدث دون سبب واضح أو خطر حقيقي. ومع تصاعد الأزمات والحروب، تبلغ مشاعر الخوف والقلق ذروتها، ما يجعل هذه الظروف بيئة مهيأة لظهور نوبات الهلع أو تفاقمها، ويشكّل تحديًا نفسيًا حقيقيًا لمن يعانون منها. وعند حدوث النوبة، قد يكون التدخل السليم من المحيطين عاملًا حاسمًا في احتوائها؛ فاختيار العبارات المناسبة واتخاذ الخطوات الصحيحة يمكن أن يخفف من حدتها، في حين قد تؤدي كلمات غير مدروسة إلى زيادة شدة النوبة وتصاعدها. وللحديث عن نوبات الهلع في أوقات الأزمات والحروب، والأساليب التي تساعد على التعامل معها والتخفيف من حدتها، كان لـ “لصحتنا” هذا اللقاء مع استشاري الطب النفسي د. هيا النعيمي، والحاصلة على الزمالة الكندية في الطب النفسي التواصلي والجسدي.
بين القلق ونوبات الهلع
أكدت استشاري الطب النفسي والحاصلة على الزمالة الكندية في الطب النفسي التواصلي والجسدي د. هيا النعيمي، أن نوبات الهلع تحدث فجأة مصحوبة بخوف شديد، وتترافق مع أعراض جسدية مزعجة للغاية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والغثيان.
وأضافت أن نوبات الهلع تنقسم إلى نوبات متوقعة وغير متوقعة، وقد تحدث نوبات الهلع غير المتوقعة دون سبب واضح. أما نوبات الهلع المتوقعة فتحدث نتيجة ضغوطات خارجية، مثل الرهاب. ويمكن أن يُصاب أي شخص بنوبات الهلع، ولكن تكرارها أكثر من مرة قد يكون علامة على اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية تتميز بنوبات هلع مفاجئة ومتكررة.
أما القلق العادي الطبيعي فهو استجابة طبيعية مؤقتة ومتناسبة مع التوتر أو الخطر أو التحديات المقبلة، مثل مقابلة عمل أو امتحان، وهو بمثابة آلية مفيدة تُحسّن من التركيز والدافعية. وعلى عكس اضطراب الهلع، يمكن السيطرة عليه، وهو مرتبط بالظروف، ويزول بمجرد زوال مُسبّب التوتر.
أعراض جسدية ونفسية
وبينت أن نوبة الهلع تسبب أعراضًا جسدية ونفسية تشمل القلق والتوتر والضيق الشديد، والخوف من الموت أو فقدان السيطرة، والشعور بالانفصال عن العالم (تبدد الواقع) أو عن الذات (تبدد الشخصية)، وخفقان القلب أو تسارع ضرباته، وألمًا في الصدر، وضيقًا في التنفس، وشعورًا بالاختناق أو ضيقًا في الحلق، وجفاف الفم، والتعرق، وقشعريرة أو هبات ساخنة، وخدرًا أو تنميلًا، وغثيانًا، وألمًا في البطن أو اضطرابًا في المعدة، وصداعًا، وشعورًا بالإغماء أو الدوار.
ولفتت إلى أن نوبات الهلع الناتجة عن الأخبار المقلقة تحدث لأن المعلومات المخيفة والمفاجئة تُحفّز آلية البقاء في الدماغ، ما يؤدي إلى زيادة إفراز الكورتيزول والأدرينالين في الجسم.
نصائح للتعامل مع نوبات الهلع
ووجّهت نصائح بشأن طريقة تعامل الشخص مع نوبة الهلع عندما تحدث بشكل مفاجئ، وقالت: «أثناء نوبة الهلع، ابقَ في مكانك إن أمكن، واعترف بالخوف، وركّز على التنفّس البطيء والعميق لتهدئة جهازك العصبي. اربط نفسك بالواقع من خلال التركيز على محيطك، وذكّر نفسك بأن الأمر مؤقت وغير خطير، وتجنّب مقاومة هذه المشاعر. ولا تهرب من الموقف؛ فالبقاء في مكانك يُظهر لعقلك أن الخوف مؤقت وغير خطير في الواقع.
واستخدم عبارات إيجابية مثل: “هذا مجرد قلق وسيزول”، و “أنا بأمان”، أو “هذا مخيف، لكنه ليس خطيرًا”. واحرص على إرخاء عضلاتك؛ أرخِ فكّك وكتفيك ويديك لتقليل التوتر الجسدي.
وتابعت أن هناك نصائح أساسية، منها أن نوبات الهلع مؤقتة؛ إذ عادة ما تبلغ ذروتها في غضون 10 دقائق، ونادرًا ما تستمر لأكثر من 20 إلى 30 دقيقة. وأضافت أن تقبّل حدوث نوبة الهلع، بدلًا من مقاومتها، قد يخفف من حدتها.
كما شددت على تجنّب التركيز على الأعراض، والتركيز بدلًا من ذلك على المحيط الخارجي، وليس على تسارع دقات القلب أو الشعور بالدوار.
تقنيات تساعد على التهدئة
وأشارت إلى أن هناك تقنيات بسيطة يمكن أن تساعد على تهدئة الجسد والعقل خلال لحظات الخوف الشديد، وهي خطوات عملية فورية.
تبدأ بالتحكم في التنفّس؛ فالتنفس البطيء والعميق يمنع فرط التنفّس. استنشق ببطء من أنفك، وازفر ببطء من فمك.
كما يمكن ربط النفس بالواقع عبر تقنية (5-4-3-2-1)، وذلك بالتركيز على خمسة أشياء يمكنك رؤيتها، وأربعة يمكنك لمسها، وثلاثة يمكنك سماعها، واثنين يمكنك شمّهما، وشيئًا واحدًا يمكنك تذوّقه.
أهمية التنفس وتمارين الاسترخاء
وأوضحت أنه عند بدء نوبة الهلع غالبًا ما يصبح التنفّس سريعًا وسطحيًا (فرط التنفّس)، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون وقد يسبب الشعور بالاختناق. لافتة إلى أن التنفّس البطيء والعميق عبر الحجاب الحاجز يساعد على تصحيح هذا الوضع، إذ ينشّط الجهاز العصبي اللاودي (جهاز الراحة والهضم) ويرسل إشارة إلى الدماغ بأن الجسم في حالة أمان.
وأضافت أن التنفّس العميق المنتظم يقلل من هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وقد يساعد على تقليل احتمال حدوث النوبات مستقبلًا من خلال تحسين قدرة الجسم على تحمّل تغيّرات التنفّس ومستويات ثاني أكسيد الكربون.
وأوضحت أن هناك تقنيات فعّالة للتنفس يمكن أن تساعد في التخفيف من نوبات الهلع، من بينها تقنية 4-7-8 التي تقوم على الشهيق من الأنف لمدة أربع ثوانٍ، ثم حبس النفس لمدة سبع ثوانٍ، يعقبها الزفير من الفم لمدة ثماني ثوانٍ.
كما أشارت إلى تنفّس المربّع، ويعتمد على الشهيق لمدة أربع ثوانٍ، ثم حبس النفس لأربع ثوانٍ، يليه الزفير لأربع ثوانٍ، ثم حبس النفس مرة أخرى لأربع ثوانٍ.
وأضافت أن من التقنيات المفيدة أيضًا التنهد الدوري، وهو تمرين يُمارس يوميًا لبضع دقائق ويركّز على الزفير البطيء والطويل للمساعدة في
تقليل القلق بشكل عام.
وبيّنت أن التنفّس الحجابي (البطني) يقوم على التركيز على تمدّد البطن أثناء الشهيق بدلًا من الصدر، الأمر الذي يساعد على زيادة كفاءة التنفّس وتهدئة الجهاز العصبي.
دور العائلة والأصدقاء
ولفتت إلى أنه يمكن للعائلة أو الأصدقاء مساعدة شخص يمرّ بنوبة هلع من خلال عدد من الاستراتيجيات الرئيسية للدعم، منها الحفاظ على الهدوء والتواجد إلى جانبه، والتحدث بصوت منخفض وبطيء، مع تجنّب إظهار الذعر.
كما يمكن مساعدته على تنظيم تنفّسه عبر التنفّس معه ببطء أو العدّ معه حتى 10.
واستخدام تقنيات التأريض من خلال تشجيعه على التركيز على محيطه، مثل تسمية الأشياء من حوله، أو الضغط بقدميه على الأرض، أو التركيز على شيء ملموس.
كذلك طمأنته بإخباره أنه بأمان وأن هذه النوبة ستمرّ.
ومن المهم أيضًا احترام حدوده الجسدية، عبر سؤاله إن كان يرغب في أن يتم لمسه (مثل إمساك اليد) أو إن كان يفضّل الاحتفاظ بمسافة شخصية.
أما بعد انتهاء نوبة الهلع، فيمكن تقديم الماء له وإعطاؤه وقتًا للتعافي، لأن نوبات الهلع قد تكون مرهقة جسديًا.
الأخطاء الشائعة
وأوضحت أن هناك عددًا من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الناس عند التعامل مع الخوف أو نوبات الهلع، وأولها التجنّب والهروب، فالهروب من موقف أو مكان معين قد يمنح راحة مؤقتة، لكنه يعزّز الخوف ويجعل العودة إلى الموقف أكثر صعوبة. كما أن مقاومة نوبة الهلع بمحاولة التخلص من الشعور بالقوة غالبًا ما تزيد من حدّة الأعراض، بينما يؤدي تهويل الموقف والتفكير الكارثي مثل: “أنا أموت” أو “لن يتوقف هذا أبدًا” إلى زيادة شدة النوبة.
وأشارت إلى أن المراقبة المفرطة للجسم، مثل فحص معدل ضربات القلب باستمرار، تزيد من التركيز على القلق وتخلق حلقة مفرغة، فيما يساهم الاعتماد على سلوكيات الأمان، كالاعتماد المفرط على الأدوية احتياطًا أو البحث المستمر عن الطمأنينة أو الجلوس بالقرب من المخارج، في استمرار الاضطراب. وأضافت أن بعض العادات مثل الإفراط في تناول الكافيين أو الكحول قد يزيد من حدة الأعراض، بينما التنفس السطحي والسريع من الصدر يفاقم القلق، على عكس التنفس البطيء والمركز على البطن الذي يساعد على تهدئة الجهاز العصبي. وأكدت أن النقد الذاتي، مثل توبيخ النفس بسبب الشعور بالقلق بعبارات مثل “أنا غبي”، يفاقم المشكلة ويزيد من حدّة القلق.
مؤشرات طلب مساعدة نفسية متخصصة
وألمحت إلى أن تكرار نوبات الهلع قد يصبح مؤشرًا على ضرورة طلب مساعدة نفسية متخصصة عندما تزداد وتيرة النوبات أو شدتها، أو تبدأ بالحدوث دون سبب واضح. كما يمكن أن يظهر ذلك من خلال تغييرات في نمط الحياة، مثل البدء بتجنب المواقف أو مغادرة المنزل أو تعديل الروتين اليومي لتجنب النوبات المستقبلية، وهو ما يُعرف أحيانًا برهاب الأماكن المفتوحة. ويشير الأثر النفسي أيضًا إلى الحاجة للدعم، خاصة إذا كان الشخص يعاني من قلق مستمر بشأن التعرض لنوبة أخرى، أو تهيّج شديد، أو صعوبة في التركيز. إضافة إلى ذلك، يصبح طلب المساعدة ضروريًا عندما تفشل استراتيجيات التهدئة الذاتية مثل تمارين التنفس في السيطرة على النوبات.
متطلبات الحفاظ على التوازن النفسي
وللحفاظ على التوازن النفسي في أوقات الأزمات وعدم الانجراف وراء الخوف الجماعي، بينت أن الأمر يتطلب مزيجًا من الحد من تدفق المعلومات الزائد، والتركيز على الإجراءات الفورية التي يمكن التحكم بها، والحفاظ على الروتين اليومي، وتعزيز الروابط الاجتماعية. وأضافت أن من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالخوف والقلق والضيق في أوقات الحرب، لذا فإن الاعتراف بهذه المشاعر بدلًا من كبتها يُعد خطوة أساسية لبناء القدرة على الصمود.
الخوف والقلق جزء من التجربة الإنسانية
ووجّهت رسالة للأشخاص الذين يعيشون حالة خوف مستمر بسبب التوترات والأحداث الجارية قائلة: “أعلم أن الخوف قد رافقكم باستمرار حديثا، وأود فقط أن أذكّركم بأنني أرى مدى جدّكم في المحاولة. أنتم لستم منكسرين، وليس من الضعف أن تشعروا بهذه الطريقة”.
ولبعث الطمأنينة والسكينة وتفريج الهم، يمكن الاستعانة بآيات قرآنية تركز على ذكر الله، والتوكل عليه، واليقين بتدبيره. فلنعترف بأن الخوف والقلق جزء من التجربة الإنسانية، ولا تخجلوا من مشاعركم، بل حاولوا فهمها والتعبير عنها. وإذا كانت مشاعر الخوف تؤثر بشكل كبير على حياتكم اليومية، فلا تترددوا في طلب المساعدة من المختصين.
