المجتمع لم يستوعب “التوحديين”.. ونظرته مؤلمة
فاطمة محمد: طفل التوحد كامل وليس ناقصا.. بل يتحدث بلغة نحتاج أن نفهمها
عبر منصة «إنستغرام» تبرز صفحة “malakabbas.bh”، التي تنشر يوميات طفلة اسمها ملاك؛ تظهر تارة تلعب، وأحيانا تتعلّم وتدرس وتضحك وتلهو مع أقرانها. طفلة طبيعية تمارس طفولتها بكل سعادة وأمان وبراءة، لكن قد لا تدرك أنها مصابة بالتوحد، حتى تفاجئك عبارة “ملاك طفلة من عالم التوحد” أعلى الصفحة.
هكذا أرادت والدتها فاطمة محمد أن تظهرها للمجتمع.. طفلة طبيعية، وليست مختلفة كما يراها البعض. فالتشخيص لم يغير من هويتها أو يعد تعريفها؛ هي ابنتها، وهذا التعريف الوحيد الذي تثق به.
لتتحدى مجتمعا لا يستوعب أطفال التوحد ولا يقبلهم كفئة من المجتمع. تناضل لتثبت أن طفلتها من حقها أن تعيش حياة طبيعية، وتقرر أن تكون صوتا لابنتها، لا ظلا مختفيا. هكذا هو التقبل في فلسفتها؛ لا يبدل الواقع، لكنه يبدل رؤيتك له.. وحين تتغير رؤيتك، يصبح كل شيء أجمل. والتقبل ليس استسلاما للواقع، بل تمرد على أقداره، والتقاط بقع الضوء المتناثرة في عتمة متوحشة. “صحتنا” التقت فاطمة، والدة ملاك، وكان هذا اللقاء.
متى لاحظتِ أولى العلامات؟
حين حملتها بين ذراعي أول مرة، لم تكن تلتقي عيناها بعيني، أو تلتفت حين أناديها، وكان نومها قليلا متقطعا، وكأنها تعيش في عالم آخر لا أفهمه بعد. لكن الوقت مضى، وشعرت أن هناك حاجزا خفيا بيني وبينها.
وفي عمر ستة أشهر بدأ الإحساس الغريب بوجود مشكلة يكبر داخلي. كنت أمًّا جديدة أنتظر منها ضحكة صغيرة أو التفاتة، لكن لم يكن يصدر منها شيء. كنت أغني لها وأناغيها، لكنها كانت تعيش في عالمها الخاص الذي لا يصلنا، فشعرت أن ابنتي مختلفة، وبدأ الشك.
كيف تم التشخيص؟
لم أكن أعلم أن هذه العلامات قد تكون مؤشرا لشيء ما. يومها كنت أقول: ربما تكون ذات طبيعة هادئة، وستأخذ وقتا حتى تتغير، لكن في عمر سنتين، عندما لجأت إلى الطب مجددا، أعطوني الاستبانة. شعرت أن كل المربعات التي أشرت إليها كانت تصرخ: “نحتاج نتابع”. بعدها تم تحويلي، وكأن أحدا أمسك بيدي وقال: لازم نمشي هذا الطريق، حتى لو لم يكن سهلا.
بدأنا تقييم سلوك ملاك. كان المفترض أن تدخل الجلسات وحدها، لكنها عنيدة.. جدا. فكنت أجلس معها في كل جلسة، أراقب، وأستمع، وأحاول أن أفهم. استمر التقييم لمدة أسبوع كامل، وكل يوم كنا هناك.
وفي النهاية جلسوا معي، وفتحوا ملفاتهم، وبدأت الأسئلة تتوالى.. ثم قالوها بكل هدوء، بكل بساطة: تشخيص ملاك، طفلة من ذوي طيف التوحد.
حينما سمعت كلمة “توحد” لأول مرة تقال عن ابنتي، شعرت أن الأرض تبتلع قدمي. كانت صدمة مع نوبة بكاء، وكل ما فهمته: “طفلتك مختلفة”، ومستقبل لا أعرفه، ومخاوف ثقيلة.
كانت الإجراءات الطبية سريعة؛ أسبوع واحد وتأكد التشخيص، لكن رحلة تقبل الحقيقة أخذت شهورا، وربما سنوات. فالطريق النفسي أطول من الورق والاختبارات، وكان كل يوم خطوة صغيرة نحو تقبل واقع جديد.
كيف كانت رحلة العلاج؟
حين أتمت ملاك عامها الثالث، أدركت أن الوقت قد حان لأمنحها فرصة جديدة تنمو فيها بطريقتها، في بيئة تقدر اختلافها وتعزز قدراتها. قررت أن أسجلها في مركز للتربية الخاصة، على الرغم من أن قلبي كان مملوءا بالخوف والقلق، لكنني كنت أعلم أن هذه الخطوة ضرورية، وأن الحب الحقيقي أحيانا يعني أن نبعدهم عن حضننا لنقودهم نحو النور.
ومع مرور الوقت، بدأت ملاك تتغير.. بدأت تأنس بالمكان، وتبتسم أكثر، وتتجاوب مع من حولها، وتخطو أولى خطواتها في التعبير والتفاعل. لم يكن التغيير سريعا، لكنه كان عميقا وصادقا. كل إشارة فهم، وكل تواصل بسيط، كان بالنسبة لي إنجازا كبيرا، وهدية تملأ قلبي بالطمأنينة.
واليوم صارت ملاك تدخل المركز بثقة، تحمل حقيبتها الصغيرة، تلتفت إلي وتلوح بيدها الصغيرة وهي تبتسم، دون دمعة.. من دون خوف.
كيف وصلتِ لمرحلة التقبل؟
لم يكن الرضا لحظة عابرة أو قرارا مفاجئا، بل كان رحلة طويلة من الألم والدموع والخضوع لحكمة الله.
في البداية كنت أتهرب من الحديث عن ملاك وعن التوحد، وكأن الكلمات ستجعل الأمر أكثر واقعية، لكنني لم أعد أريد أن أخبئ ملاك خلف ستائر الصمت. كنت قد تقبلتها، وكان عليهم أن يتقبلوها أيضا. حين تقبلت ملاك، لم أعد أسأل: “لماذا أنا؟” بل بدأت أرى: “لماذا ملاك؟”.
تعلمت أن أعيش مع ملاك بكل ما فيها، بصمتها، وبصراخها، وبمزاجها المتقلب، وبعالمها الذي لا يشبه عالمنا. أصبحت ظلها، أتنفس معها، وأراقب أدق تفاصيل يومها، وأحبها بكل حالاتها.
لم يكن التقبل محطة وصلت إليها بسهولة، بل كان طريقا طويلا من الدموع والأسئلة والصراعات الداخلية. كان زوجي أسرع مني في الوصول إليه، ولم أجد خيارا سوى التقبل.. لا لأنه كان سهلا، بل لأنه كان الطريق الوحيد للمضي قدما.
قبل أن أتقبل ملاك، كنت أراها كمعادلة صعبة، وكحِمل ثقيل يرهقني كل يوم.
لكن عندما احتضنتها بقلب راض، رأيت فيها أشياء لم ألحظها من قبل.. ابتسامتها، وبراءتها، وحتى عنادها الذي بدا لي فجأة لطيفا، كأنه طريقتها الخاصة في التعبير.
هكذا هو التقبل؛ لا يبدل الواقع، لكنه يبدل رؤيتك له.. وحين تتغير رؤيتك، يصبح كل شيء أجمل.
كيف أثر العلاج على تطور حالتها؟
التدخل المبكر هو أفضل قرار اتخذته. اليوم حياتنا مليئة بجلسات تشبه حبا من نوع ثان؛ علاج وظيفي يعلمها أن تمسك العالم بيديها، وتعديل سلوك يساعدها على أن تعبر وتفهم وتتواصل، وعلاج حسي يهدئ قلبها وروحها. في كل جلسة أراها تكبر، حتى لو ببطء، وكل دقيقة داخل غرفة العلاج كأنها خيط نور جديد يمسك بيدي بدل أن أمشي في الظلام.
فالطفلة التي قيل إن من المستحيل أن تتكلم أصبحت تتحدث، ومن كانت لا تستجيب أصبحت تلتفت، ومن كانت تنغلق على نفسها أصبحت تنتظر حضنا. قد يكون التقدم بسيطا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لي انتصار، وهدية، ودليل على أن الأمل لا يخيب.
كيف تقيمين أداء المراكز المتخصصة في التوحد؟
المراكز كانت سندا حقيقيا، لكنها أحيانا تمثل ألما جديدا بسبب الأسعار. كل أم لطفل توحد تعرف شعور القتال من أجل رحلة مكلفة معنويا وماديا؛ تختارين بين جلسة تزيد تقدم طفلك وبين ميزانية بيتك. قرار يجرح القلب مهما اخترتِ.
واجهت تحديات في التكلفة وتوافر المراكز المتخصصة دائما، فأسعارها غالبا مبالغ فيها، بالرغم من جودة الدعم والخبرة التي تقدمها.
لكن في وسط الصعوبات، هناك من يكون نورا في الطريق: معلمات، ومختصات، وقلوب تتعامل مع ابنتي بمحبة قبل الدرس والعلاج. البرامج ساعدتها على فتح باب صغير على العالم، وأنا أمسك هذا الباب لأجعله أوسع مع الوقت.
كيف هي نظرة المجتمع لطفل التوحد؟
النظرة مؤلمة.. مؤلمة بطريقة لا يفهمها غير أمّ مثل حالتي. الناس ينظرون من دون أن يفهموا، ويحكمون من دون أن يعرفوا، ويتحدثون من دون أن يشعروا. لكنني قررت أن أكون صوتا لابنتي، لا ظلا مختفيا. وما دام المجتمع لا يفهم، فسأشرح.. مرة ومرتين، وألف مرة.
المجتمع إلى الآن لم يستوعب أطفال التوحد بالكامل، لكن كل طفل توحد، وكل أم صادقة، وكل كلمة توعية.. تغير العالم ببطء. وسنصل يوما يكون فيه أطفال التوحد جزءا طبيعيا من الصورة.
ما أهم الصعوبات التي تواجهينها كونك والدة لطفل توحد؟
أصعب لحظة ليست الجلسات، ولا التكلفة، ولا التشخيص.. بل عدم قبول التوحد كفئة في المجتمع. أصعب لحظة هي عندما تشعرين أن مؤسسة كبيرة اسمها “المجتمع” لا تستوعب ملاكك، وأنك يجب أن تقاتلي لتثبتي أن طفلك من حقه أن يعيش طبيعيا، ويلعب، ويضحك، وينتمي.
لكن كلما رأيت عيونها وهي تضحك، أعلم أنني لست فقط قادرة على القتال، بل سأنتصر معها حتما.
ما رسالتك للأمهات الجدد؟
أبكي إذا أردتِ، انهاري يوما أو يومين، لكن لا تدعي الحزن يقول كلمته الأخيرة. احتضني طفلك، وابدئي من جديد. التوحد ليس نهاية، بل بداية طريق مختلف يحتاج قلبا أقوى وصبرا أكبر، وأنتِ أم خلقت لهذه المهمة. طفل التوحد ليس ناقصا، هو طفل كامل، فقط يتحدث بلغة تحتاج أما حكيمة لتترجمها بصبر وطول بال.
هل أنتِ مقتنعة بالتشخيص؟
أحيانا أصدق، وأحيانا أكذب نفسي. مرات أقول: ربما يخف، وربما يختفي، وربما كان هناك خطأ. لكن مهما كانت حالة ملاكي، فالتشخيص لا يعبر عنها بالكامل. هي أعمق من كلمة في ملف، وأكبر من خانة، وأجمل من أي تصنيف. هي ابنتي، وهذا التعريف الوحيد الذي أثق به 100 %.
