تطوير إنتاج الأنسولين عن طريق الفم باستخدام تقنية الببتيدات الجديدة
يُعدّ مرض السكري من الأمراض المزمنة الأكثر انتشارًا في العصر الحديث، نظرًا لارتباطه بأنماط الحياة المعاصرة التي أحدثت تحولات كبيرة في صحة الإنسان، وأسهمت في ظهور وتفاقم العديد من الأمراض. وقبل قرن من الزمن، تم اكتشاف واعتماد حقن الإنسولين لعلاج مرض السكري في العامين 1921 - 1922 على يد الفريق الكندي المكوَّن من فريدريك بانتنغ وتشارلز بست، حيث أُعطيت أول حقنة إنسولين لإنسان في يناير العام 1922.
ومنذ اعتماد حقن الإنسولين علاجا أساسيا لمرضى السكري، ظل الإنسولين الفموي حلما يراود المرضى للتخلص من التزام الحقن اليومي المزعج، بوصفه علاجا مثاليا للمرض. إلا أن جميع المحاولات السابقة باءت بالفشل؛ بسبب تحلل الإنسولين إنزيميا في الجهاز الهضمي، وغياب آلية نقل معوية مخصصة تمكنه من العبور إلى مجرى الدم. ونتيجة لذلك، يضطر العديد من المرضى إلى الاعتماد على حقن الإنسولين اليومية، الأمر الذي قد يؤثر سلبا في جودة حياتهم، إذ ما تزال حقن الإنسولين تُشكل عبئا يوميا على العديد من المرضى.
غير أن هذا الحلم بات قريبا من أن يصبح واقعا ملموسا؛ إذ كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Molecular Pharmaceutics عن تطوير فريق بحثي في جامعة كوماموتو، بقيادة الأستاذ المشارك شينغو إيتو، منصة مبتكرة لإيصال الأدوية تعتمد على ببتيد حلقي قادر على النفاذ عبر الأمعاء الدقيقة، يُعرف باسم ببتيد DNP، ما يتيح إيصال الإنسولين عن طريق الفم بكفاءة عالية.
وأظهرت الدراسة أن ببتيدات DNP المُهندسة، سواء كانت مدمجة مع ببتيدات رابطة للإنسولين أو مرتبطة تساهميا بالإنسولين باستخدام تقنية «الكيمياء النقرية» (Click Chemistry)، قد عززت امتصاص الإنسولين بصورة مباشرة في نماذج الفئران. ولا تقتصر هذه النتائج على الإنسولين فحسب، بل توفر أيضا طريقة عملية لتحويل المستحضرات الصيدلانية الحيوية القابلة للحقن إلى أدوية فموية سهلة الاستخدام للمرضى. كما بينت النتائج أن ببتيدات DNP تُعد ناقلات متعددة الاستخدامات لإيصال الجزيئات الدوائية الكبيرة عبر الفم.
واستخدم الباحثون نهجين فعالين لتسهيل امتصاص الإنسولين في الأمعاء:
الأول: طريقة المزج (القائمة على التفاعل غير التساهمي)، إذ تم ببساطة مزج ببتيد «D-DNP-V» المُعدل مع سداسيات الإنسولين المُثبتة بالزنك. وقد أدى تناول هذا المستحضر عن طريق الفم في نماذج متعددة لمرض السكري لدى الفئران إلى خفض مستويات سكر الدم بسرعة إلى المعدلات الطبيعية، مع الحفاظ على تحكم مستقر في مستوى السكر بجرعة واحدة يوميا لمدة ثلاثة أيام متتالية.
الثاني: طريقة الاقتران (القائمة على الروابط التساهمية)، وذلك باستخدام تقنية الكيمياء النقرية لربط ببتيد DNP مباشرة بالإنسولين، مكوِنا ما يُعرف بـ “مركب DNP - إنسولين”. وقد أسفرت هذه الطريقة عن خفض مستويات الجلوكوز في الدم بدرجة مماثلة لطريقة المزج، ما يؤكد حدوث نقل معوي نشط بوساطة الببتيد.
وحققت هذه المنصة توافرا حيويا دوائيا تراوح بين نحو 33 % و41 % مقارنة بالإعطاء عن طريق الحقن تحت الجلد، وهو ما يُظهر انخفاضا كبيرا في كمية الإنسولين المطلوبة للإعطاء الفموي، ويمثل خطوة أساسية نحو الاستخدام السريري العملي، بخلاف المحاولات السابقة للإنسولين الفموي التي كانت تتطلب جرعات مرتفعة جدا.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ المشارك شينغو إيتو لموقع Medical Xpress أن هذه المنصة “تفتح مسارا جديدا لإيصال الإنسولين عن طريق الفم، وقد تكون قابلة للتطبيق على تركيبات الإنسولين طويلة المفعول وغيرها من الأدوية البيولوجية القابلة للحقن”.
ويتجه الفريق البحثي حاليا نحو إجراء دراسات انتقالية، تشمل التقييم في نماذج الحيوانات الكبيرة وأنظمة الأمعاء البشرية؛ تمهيدا للانتقال إلى المراحل السريرية المستقبلية.
