د. شيماء بوجيري: “ثنائي القطب” اضطراب مزمن لا يشفى.. لكن الحياة الطبيعية ممكنة
“العيش مع اضطراب ثنائي القطب يتطلب قدرا هائلا من الشجاعة”. كلمة قالتها في كتابها Wishful Drinking الفنانة البريطانية كاري فيشر، التي لعبت شخصية “الأميرة ليا” في سلسلة أفلام حرب النجوم الشهيرة، والتي كانت تعاني من اضطراب ثنائي القطب.
كلمة لم تكن عابرة، بل تختزل تجربة كل من يعاني منه، وتلخص حجم المعاناة، وترسم علامات استفهام كبيرة عنه، وتدعو لكسر حاجز الصمت بشأن دهاليزه المرعبة.
فهو مرض يجمع بين الحزن والاكتئاب الحاد، وفرط النشوة والسعادة، ومزاج هلامي غير ثابت لا يمكن تحديده، وشخصية مزدوجة لا تحمل ملامح واضحة يمكن إدراكها، ولا يمكن التنبؤ برد فعلها. قد يشعل غضبها موقف بسيط أو كلمة عابرة.
ولفك شفرات هذا المرض وكشف هويته، التقت “صحتنا” رئيسة الخدمات الطبية بمستشفى الطب النفسي د. شيماء بوجيري.
وأكدت د. شيماء بوجيري أن “الاضطراب ثنائي القطب” يُعد أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدا، إذ يتميز بتقلبات حادة في المزاج والطاقة والسلوك، تتراوح بين فترات من الهوس أو النشاط المفرط، وفترات من الاكتئاب العميق. وتختلف هذه الحالة جذريا عن تقلبات المزاج العادية التي يمر بها أي شخص في حياته اليومية، إذ إن نوبات الاضطراب ثنائي القطب تستمر لأسابيع أو أشهر، وتؤثر بشكل كبير في الأداء الوظيفي والاجتماعي، بينما تكون تقلبات المزاج العادية قصيرة الأمد ولا تعيق الحياة بشكل ملحوظ.
ولفتت إلى أن التقديرات العالمية تشير إلى أن نسبة انتشار الاضطراب ثنائي القطب في البحرين تبلغ نحو 0.8 % من السكان، وهي نسبة قريبة من المعدلات العالمية، إلا أن الإحصاءات المحلية الدقيقة لا تزال محدودة. وبالرغم من ذلك، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في الأرقام، بل في سوء الفهم المجتمعي لهذا المرض، إذ يخلط كثيرون بينه وبين مجرد تقلب المزاج، ما يخلق وصمة اجتماعية تدفع المرضى إلى الصمت وتؤخر طلبهم للعلاج.
وأوضحت أن اضطراب ثنائي القطب يُعد مرضا نفسيا مزمنا لا يمكن الشفاء منه بشكل كامل، لكنه قابل للإدارة والتحكم من خلال العلاج الدوائي والنفسي. وتابعت أن الأدوية، مثل الليثيوم والمضادات الذهانية، تساعد في تقليل حدة النوبات وتحسين جودة الحياة. وأضافت أن من العلامات المبكرة التي يجب الانتباه لها: زيادة النشاط بشكل غير طبيعي، وقلة الحاجة إلى النوم، وسرعة الكلام وتدفق الأفكار، إلى جانب فترات من الاكتئاب العميق وفقدان الاهتمام بالحياة.
وبينت أن المرض غالبا ما يُشخَّص خطأ على أنه اكتئاب فقط، خصوصا إذا كانت النوبات الاكتئابية هي المسيطرة، كما يمكن أن يختلط بالفصام في الحالات التي تظهر فيها أعراض ذهانية، مثل الهلاوس أو الأوهام. ولذلك يعتمد التشخيص على تقييم شامل يشمل الفحص الطبي والنفسي، ومراقبة نمط الأعراض على مدى فترة زمنية.
وقالت إن الأسباب الوراثية تلعب دورا مهما في الإصابة بالمرض، إذ تزيد احتمالية الإصابة لدى من لديهم تاريخ عائلي بمقدار 4 إلى 6 أضعاف، وتصل نسبة التوافق بين التوائم المتطابقة إلى 60 % - 80 %. وأشارت إلى أن أحدث طرق العلاج تشمل تقنيات حديثة، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، والعلاج بالصدمة الكهربائية للحالات الشديدة.
ولفتت إلى أنه على الرغم من التحديات، يمكن للمريض أن يعيش حياة طبيعية ومستقرة إذا التزم بالعلاج والمتابعة الدورية، إلا أن الأخطاء الشائعة من المحيطين به، مثل التقليل من قيمة المرض أو إيقاف العلاج فجأة، قد تؤدي إلى انتكاسات خطيرة.
واختتمت حديثها بالقول:
“إن رسالتنا للمجتمع وعائلات المرضى هي ضرورة فهم طبيعة الاضطراب، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والابتعاد عن الوصمة التي تزيد من معاناة المصابين، فالتقبل والدعم هما المفتاح لتمكين هؤلاء الأفراد من المشاركة الفاعلة في المجتمع وبناء حياة متوازنة”.
