هل يعتبر التقاعد بالنسبة للمعلمين هو انتهاء صلتهم بالتعليم أم يجب أن يكون دافعاً للاستفادة من خبراتهم التربوية والتعليمية التي تكونت عبر تاريخ يمتد الى عقود من الزمان؟
لقد اصبح المعلمون المحالون على التقاعد يندبون حظهم العاثر لا لاختيارهم اشرف المهن واقدسها بل لما يتعرضون له من تهميش واسدال ستار النسيان على تاريخهم الحافل بالتضحيات الجسام.
المعلم يحمل أمانة كما في قوله تعالى “انّا عرضنا الامانة على السموات والارض فأبين أن يحملنها واشفقنا منها وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولاً”. انّ التكريم الذي يحظى به هؤلاء الجنود المجهولون ينحصر في التهنئة على جهودهم الكبيرة في الارتقاء بالمسيرة التعليمية والاشادة بتضحياتهم طوال سنوات خدمتهم بعضها ناهز الاربعين عاماً متواصلة من العطاء اللامحدود والبذل المستمر، أي انّ التكريم لا يتجاوز الاطار النظري بينما يظفر الكثير من طلبتهم بأضعاف ما يتقاضونه من حوافز ومكافآت.
التعليم كما يعبّر العديد من شاغلي المهنة يكاد تكون المهنة الوحيدة التي لا تقبل ان تشاركها وظيفة أخرى. انها تتطلب ممن يقبلها أن يمنحها وقته بأكمله والذين قُدّر لم ممارستها على مدى سنوات لم يشعروا بأنهم اهدروا جهودهم هباء كالآخرين ذلك أنّ ثمار عطائهم تتجسد أمامهم عطاء في كل المجالات والميادين. الذين وصفوا المعلم بالشمعة التي تحترق بصمت لتضيء دروب الاخرين لم يكونوا متجاوزين للحقيقة؛ اذ إنّ الذين انهوا خدماتهم غالباً يحملون آلامهم وأوجاعهم ومكابداتهم المريرة. ولو أنّ سؤالا وُجّه للمعلمين من قبيل هل كان ارتباطكم بالتعليم سعيدا؟ لكانت اجابتهم بأنّ مصيرهم كالمحاربين في العالم الثالث بعد خوضهم المعارك الشرسة لا يقتاتون الاّ الالم والغبار والنسيان.
المعلم بعد أن يفني زهرة شبابه معلماً ومربياً وهادياً وموجّها ومرشداً لا يجد من يقابله بكلمة شكر واحدة أو تحية عابرة نظير تضحياته اللامحدودة. نحن نفهم أن تكون هناك ازمة وفاء ونكران للجميل في أي مهنة أو عمل في هذا العالم ولكن أن تصل المعضلة الى المعلمين فهذا غير مفهوم وغير مقبول ابداً. المعلمون اليوم يمر بهم طلبتهم وقد اصبح الكثير منهم يتبوأون مراكز مرموقة ولا يعيرونهم أدنى اهتمام أو التفاتة. لقد اصبح العديد من المعلمين المتقاعدين طاقات معطلة وخبرات تربوية مهملة. وهنا يرد تساؤل يستحق اجابة عاجلة من المسؤولين بالتربية أين هذه الطاقات عن المشروعات التطويرية والبرامج المستحدثة سنويا من وزارة التربية؟ اليس من الاجدر الاستعانة ببعضها على الاقل؟ ولعل المثال الاقرب النظام الحديث المسمى نظام الجودة الذي يكتسب أهمية استثنائية. هذا البرنامج رغم اهدافه البالغة الاهمية الاّ أنّ ما يؤخذ عليه هو الاستعانة بخبرات بعض المعلمين الحديثي التخرج واهمال اصحاب الخبرات الطويلة وهي مفارقة صارخة تنم على الارتجال في التطبيق.
وثمة سؤال يتردد على ألسنة الكثير من المعلمين المتقاعدين وقد وجدوا أنفسهم خارج الخدمة، وهو: ما الذي أعدّته الوزارة لمنتسبيها بعد نهاية التعليم؟ أي لماذا لم تنشئ لهم ناديا يليق بهم أسوة بالآخرين من الموظفين؟
هناك من يعيب على العديد من المتقاعدين تمضية شطر من وقتهم في المقاهي لاستعادة الذكريات وتخفيف ما تراكم من هموم. اليست المقاهي هي ملجأهم البديل في غياب النادي كما سبقت الاشارة؟ يتساءل أحد المتقاعدين بسخرية: اذا لم تكن المقاهي هي وجهتنا السليمة فإلى اين تريدنا أن نذهب؟ سوق التجار؟!
التكريم الذي يحلم به العاملون في قطاع التعليم يجب ان يقترن فيه المادي بالمعنوي. انّ وزارة التربية غالبا ما تشيد بالجهود المبذولة للمعلم في الميدان التربوي وأثرها في رسم مستقبل المملكة لكن على الصعيد الواقعي فإنّ المكافأة الممنوحة بعد التقاعد لا تليق بمن قضى كل عمره في مهنة الانبياء والرسل.