العدد 826
الثلاثاء 18 يناير 2011
القمة الاقتصادية العربية ومبررات التفاؤل عبدالنبي الشعلة
عبدالنبي الشعلة
وقفة
الثلاثاء 18 يناير 2011

غداً تنعقد في شرم الشيخ الدورة الثانية لمؤتمر القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في خضم تطورات ومستجدات شهدتها الساحة العربية مؤخراً، ووسط مزيج من الآمال والتوقعات والشكوك والمخاوف على مستوى الشارع العربي مما سيتمخض عنه هذا الاجتماع من نتائج.
ويحق للإنسان العربي أن يكون يائساً ومتشائماً وأن يركن ويستسلم للمخاوف والشكوك في مثل هذه الحالات. فتجارب الدول العربية في العمل العربي المشترك لا تدعو للاطمئنان ولا تبعث على الثقة والتفاؤل، فقد عجز القادة العرب في قممهم المتعددة والمتعاقبة عن تسجيل أي نجاح أو حتى تحقيق الحد الأدنى من التعاون والتنسيق في القضايا السياسية المصيرية الملحة، بل العكس هو الصحيح، فقد اتسعت الفجوات وتمددت مساحة الخلافات السياسية بين الأشقاء العرب وتنوعت دوائرها على مدار السنوات التي عقدت فيها تلك القمم.
ولأن الإرادة السياسية هي الأداة المحركة لتحقيق التعاون الاقتصادي، فقد امتدت رقعة الفشل والإخفاق لتطول بشكل مباشر صميم العمل الاقتصادي العربي المشترك، وليس أدل على ذلك من حلم السوق العربية المشتركة الذي راود القادة العرب وتغنوا به منذ العام 1951 إلى أن تبخر وانحسر وحل محله اتساع متصاعد في سقف المعوقات وارتفاع للحواجز والجدران في وجه تنقل الأفراد وانسياب السلع والخدمات ورؤوس الأموال مما أدى إلى ضمور التجارة البينية العربية.
وبهذا الصدد، فإن الشارع العربي لايزال يتلقى بكل تقدير وإكبار أصداء الكلمة القيمة التي ألقاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، أمام القادة العرب في القمة الاقتصادية العربية الأولى التي عقدت في دولة الكويت في العام قبل الماضي عندما قال “يجب أن أكون صريحاً صادقاً مع نفسي ومعكم فأقول.. إن خلافاتنا السياسية أدت إلى فرقتنا وانقسامنا وشتات أمرنا..”.
إن هذا الموقف الواضح والشجاع من العاهل السعودي والمواقف المشابهة لأشقائه القادة العرب في القمة الاقتصادية الأولى، وقناعتهم بأهمية وضرورة تحقيق إنجازات محورية وحقيقية على مسار التعاون الاقتصادي كفيلة بأن تبعث فينا شحنات قوية متجددة من الحيوية والحماس والأمل في مستقبل العمل الاقتصادي العربي المشترك، ولا شك في أن القادة العرب سيتمكنون غداً من تجاوز الخلافات السياسية وتحويل الإخفاقات السياسية إلى حوافز دافعة لإحداث اختراقات في آفاق النجاح على الصعيد الاقتصادي، فهناك خلافات سياسية عميقة بين الدول الاوروبية لكنها لم تؤثر قط في نمو التعاون الاقتصادي بينها ولم تهز القواعد الراسخة للاتحاد الأوروبي.
وبكل ثقة وتفاؤل نستطيع أن نقول إن هذه القمة ستختلف عن سابقاتها، فهي تبدو زاخرة مفعمة بعناصر ومقومات النجاح مع وجود مؤشرات إيجابية  واضحة. وهناك إنجازات ملموسة تم تحقيقها على أرض الواقع  قد لا ترتقي إلى مستوى الطموحات والتطلعات لكنها تبقى خطوات فعلية واعدة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، كما تم الشروع في تنفيذ العديد من القرارات التي تبنتها القمة الاقتصادية الأولى منها قيام بعض الدول العربية بتسديد الجزء الأكبر من المخصصات المقررة والبالغة ملياري دولار لتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة في العالم العربي.
لقد أصبحت الظروف الآن مهيأة، وأصبح المزاج العربي اليوم أكثر تقبلاً والمناخ السائد أكثر مواءمة لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي المنشود، وأصبحت القناعة بضرورة التزام الجدية في تحقيق ذلك أكثر رسوخاً مما كانت عليه من قبل لا سيما بعد الاهتزازات العنيفة التي عصفت ببعض الدول العربية مؤخراً مثل التطورات الدرامية التي شهدتها تونس قبل أيام والناتجة عن إرهاصات واحتقانات اقتصادية في الأساس.
 هناك في الواقع أشواط واسعة قُطعت على درب التكامل الاقتصادي العربي، فمعظم الدول العربية قد بادرت بالفعل في اتخاذ الخطوات اللازمة لإنفاذ عمليات الاصلاح الاقتصادي والاتجاه نحو اقتصاد السوق.
  إن هذه القمة وقبل انعقادها قد حققت انعطافاً نوعياً هاماً بقرارها الصائب بدعوة فعاليات القطاع الخاص العربي للمشاركة والمساهمة في أعمالها. وقد استجابت مؤسسات القطاع الخاص وفعالياته ورجالاته لهذه الدعوة وبادرت بتنظيم جملة من الأنشطة واللقاءات والمنتديات الاقتصادية شارك فيها نخبة من رجال الأعمال العرب وممثلي القطاع الخاص واتحادات غرف التجارة والصناعة، كما عقدت ورشة عمل للتشاور مع قيادات عدد من الشركات العربية الكبرى تم على أثرها الاتفاق على وضع آلية تُنظم تعاون ومشاركة القطاع الخاص العربي مع حكومات الدول العربية في تنفيذ وإنجاز خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما تم اختيار مندوبين عن رجال الاعمال العرب للمشاركة في القمة وإلقاء كلمة أمام القادة العرب تتضمن رؤيتهم وتطلعاتهم.
إن مبادرة القادة العرب بدعوة القطاع الخاص للمشاركة في القمة والتوجه إلى إشراكه في مسؤولية الاضطلاع بالنهوض بالمهام التنموية والاقتصادية تبرز دون شك كخطوة بارعة وصائبة بامتياز من حيث التوقيت والمدلول، وبداية لصحوة طال انتظارها لوضع الحصان أمام العربة وليس العكس كما كان سابقاً. فالقطاع الخاص هو المحرك الفعال وهو قاطرة التنمية وهو اللاعب الأساسي والشريك الاستراتيجي في العملية التنموية وإن استبعاده عن غرفة قيادة التحرك الاقتصادي والتنموي واحتكار الحكومات لهذا الدور قد قاد الأمور إلى ما آلت إليه في الوطن العربي.
إن القرار الذي اتخذه القادة العرب قبل أربع سنوات في القمة العربية السادسة عشرة التي عقدت في الرياض بعقد قمة عربية كل عامين لمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية يعكس وعيهم وادراكهم لأهمية هذه القضايا ويؤكد عزمهم على الارتقاء بها إلى رأس أولوياتهم بعد أن كانت المسائل أو بالأحرى الخلافات السياسية تستنزف كل جهودهم وطاقاتهم وإمكانياتهم دون جدوى. وقد انعقدت أولى تلك القمم في دولة الكويت في شهر يناير من العام قبل الماضي.
غداً يلتئم شمل القادة العرب في شرم الشيخ حول طاولة القمة الاقتصادية الثانية، وأمامهم برنامج حافل وجدول أعمال مثخن بالقضايا والمواضيع والمحاور وتحديات جسيمة نتمنى من العلي القدير أن يوفقهم في التصدي لها. إن المهمة الملقاة على عاتقهم ثقيلة والطريق أمامهم صعب وطويل، فالبناء كما هو معروف اسهل وأهون من الإصلاح والترميم، والمسار يبدأ بضمان رصّ الصفوف وتوحيدها خلف الهدف المنشود ومن ثم التوجه إلى إصلاح الخلل الهيكلي والتصدع الحاصل في الجدار الاقتصادي العربي.
إن بيت القصيد ومربط الفرس لكل القضايا والتحديات التي سيتصدى لها القادة العرب غداً هو الضعف المزمن لمخرجات العملية التعليمية في العالم العربي وعجزها عن مواكبة احتياجات السوق ومتطلبات التنمية ومواجهة المنافسة العالمية المفتوحة، وهو أحد المواضيع المدرجة على جدول أعمالهم، ولو تمكن القادة فقط من إيجاد حل أو مخرج من هذا المأزق المؤرق خلال اجتماعاتهم لكفاهم ذلك فخراً وزهواً. فبدون إصلاح وتطوير العملية التعليمية لن تنفعنا مواردنا ولا مصانعنا ولا خطوط مواصلاتها إن وجدت، ولن نستطيع إيجاد حلول لمشاكل الفقر والبطالة أو نتمكن من تنفيذ خططنا وتحقيق تطلعاتنا.
ويتضمن جدول أعمال القمة قضايا لا تقل أهمية عن قضية التعليم ومحاور تتسم بالتناقض والمفارقات وعلى درجة متقدمة من الخطورة والاستعجال يأتي على رأسها تفاقم معدلات الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية في بعض الدول العربية مع تراكم الثروات في بعضها الآخر وهو وضع لا يخدم أي طرف ولا يحمي أي جهة من أخطار تداعياته، إلى جانب الارتفاع المتزايد لمعدلات البطالة في الوقت الذي تتدفق فيه الملايين من الأيدي العاملة الأجنبية على أسواق العمل العربية.
وسيراجع القادة العرب مشاريع الربط الكهربائي والنقل والمواصلات المتعددة الوسائط والأنظمة اللوجستية في العالم العربي والقضايا المتعلقة بالتفاعل مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية الأخرى والمعوقات التي تحد من حركة التجارة العربية البينية وحرية النقل والتنقل للأفراد والسلع والخدمات ورؤوس الأموال وغيرها من المواضيع والقضايا.
 نتضرع إليه سبحانه وتعالى لأن يعين قادتنا ويوفقهم ويهديهم سواء السبيل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .