العدد 2157
الأربعاء 10 سبتمبر 2014
“داعش”... ليست لغزا! د.محمد المحاسنه
د.محمد المحاسنه
تحليل إخباري
الأربعاء 10 سبتمبر 2014

تتحول داعش بالتدريج الآن إلى لغز محير بسبب التباينات الشديدة في الرأي حول داعش في أجهزة الإعلام العربية، فالكل مختلف مع الكل في تحديد أصل داعش ومن هي وإلى من تنسب من حيث تأسيسها ورعايتها، وما يزيد الطين بلة عندما يجري الحديث في موضوع داعش نظرية المؤامرة التي تعشعش في ذهن الثقافة العربية الى درجة المرض العضال، ومما ساعد نظرية المؤامرة على الاستيطان في الذهن العربي الجمعي ان هذه النظرية تسهل تفسير الأحداث السياسية وتبسطها إلى درجة البلاهة أحيانا، والجدير بالذكر هنا ان ما حصل لفلسطين من تحالف الغرب في دعم الكيان الصهيوني وما يعيشه المواطن العربي عوامل مساعدة على تثبيت نظرية المؤامرة في الذهنية العربية.
على الأرجح إن وسيلة أميركا في المحافظة على نفوذها في منطقتنا العربية الآن هي سياسة الفوضى الخلاقة التي تترك كل عناصر الفعل والقوة في المجتمعات العربية لتقوم بالتعبير عن نفسها بشكل فوضوي كما هو حاصل الآن بحيث يتم التدخل من قبل من يريد توجيه الأمور لصالحه من خلال احد عناصر الفعل والقوة التي تعبر عن نفسها فتحسم الأمور بأقل قدر ممكن من الكلفة.
يخطئ من يعتقد ان داعش من صناعة النظام السوري كما يقول البعض أو من صناعة مخابرات هذه الدولة أو تلك أو من صناعة الأميركيين انفسهم وإن كانت الانظمة البوليسية المخابراتية الآن ليس لديها مانع من غض النظر عن أي تنظيم أو حالة تطرف من اجل استثمارها مستقبلا كما تريد هذه الانظمة ووفقا لمصالحها.
داعش على الأرجح من صناعة داعش نفسها وربما فوجئ الجميع بسيطرتها على المناطق العراقية، ان داعش الآن هي الوسيلة لمعرفة تحالفات الآخرين في المنطقة ومن يريد التفكير في داعش فليراقب التحالفات الدولية والإقليمية، فداعش الآن كشفت لنا أن أميركا ليست بعيدة عن ايران وأن أميركا ما جاءت الى العراق فيما مضى الا من اجل تفتيت العراق على اسس عرقية وطائفية حتى ينشغل العالم الإسلامي بنفسه وتستنزف قوته من خلال تحطمه الذاتي على نفسه عن طريق تشجيع الفتن الطائفية والعرقية ومن اجل ان تبقى منابع النفط بحاجة الى حماية الغرب مقابل التهديد الطائفي المحتمل.
أميركا ليس لديها مانع من الاستفادة من اخطاء القوى الإقليمية في المنطقة من اجل توظيف هذه الاخطاء لمصلحتها لكنها ليست هي التي تخلق كل شيء في المنطقة على شكل مؤامرة محبوكة لأنه لا توجد أية قوة حتى اميركا من بين الدول قادرة على التحكم في جميع عناصر الفعل والتأثير على ارض الواقع لكي تحبك المؤامرات الخرافية، فأميركا انتظرت طويلا حتى ارتكب صدام غلطته باحتلال الكويت ثم قامت هي باستثمارها، حتى لو كانت السفيرة الأميركية اوحت الى صدام بارتكاب تلك الغلطة الا ان صدام هو صاحبها وليست أميركا.
داعش هي من صنع داعش وإذا ارتكبت داعش اخطاء على ايدي مسلحيها فإنها تعطي المبرر للقوى المناوئة لها للانقضاض عليها وليس لأن اميركا صنعت كل شيء يتعلق بداعش كما يحلو للبعض ان يتخيل. داعش الآن اصبحت تستثمر كفكرة من قبل بعض انظمة المنطقة لكي تمرر ما تريده بمواجهة شعوبها أو الدول الأخرى أو الخصوم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .