ما يجري في سوريا الآن وقبلها في ليبيا يوحي بان لعبة الأمم لتقسيم المنطقة في هذه المرة ليست على طريقة سايكس بيكو الناعمة التي جلس فيها الاثنان معا ورسما الخطوط وقسما المنطقة العربية الشرقية إلى مناطق نفوذ، وان ما يجري الآن هو نوع من التقسيم أو الاقتسام بالقوة أي أن سايكس بيكو هذه المرة تتم بأسلوب خشن وترسم خرائطها بالدماء، والدول العظمى وهي كثيرة في هذه المرة تتبع أسلوبا غاية في الخسة وهو أسلوب الاعتماد على المتناقضات الداخلية في المنطقة لإراقة الدماء وتسهيل عملية وضع اللمسات الأخيرة من قبل سايكس وبيكو الجديدين وهو أسلوب الفوضى الخلاقة الذي بشرت به كونداليزا رايس من قبل.
فبعد أن تراجعت القوة الأميركية بسبب مستنقع العراق وأفغانستان أطلت القوى المنافسة الأخرى برؤوسها مثل روسيا وفرنسا والصين وأميركا وأطلت برؤوسها أيضا أطراف إقليمية مثل إيران وإسرائيل وتركيا.
آخر فعاليات الاقتسام الخشن هي ما يجري في سوريا حيث تريد روسيا وإيران إثبات أن لهما حقا في هذه القسمة وذلك من خلال الإبقاء على المحور الذي يوصل القوة الإيرانية إلى ضفاف المتوسط على الساحل السوري واللبناني في حين أن الطرف الغربي لا يوافق على هذا الاقتسام لصالح إيران وروسيا لأنه يريد بقاء إيران بعيدا عن التأثير على التفوق الإسرائيلي على العرب وعلى الأرجح لا مانع لدى الغرب من بقاء إيران قوية منافسة لان ذلك يحفظ لأميركا السيطرة على المنطقة بحجة الحماية من الخطر الإيراني ولكن لا يريد الغرب لإيران دورا أكثر يريدون منها التأثير على العرب ولكن ليس على ميزان القوى مع اسرائيل.
وبسبب اندحار الدور الأميركي وتراجع اميركا الى الخلف قليلا تتقدم فرنسا لتحافظ ايضا لها على مناطق نفوذ، فهي أي فرنسا هي التي كانت تقوم بدور رأس الحربة في الهجوم على نظام القذافي من اجل الاحتفاظ لها بميزة مع من سيحكم من بعد القذافي ولأن افريقيا منطقة نفوذ لها تاريخيا، وها هي فرنسا بعد ان تلكأت اميركا كثيرا في موضوع الازمة السورية تقرع اول ضربة على طبول الحرب على النظام السوري بعد ان تأكدت فرنسا من استعمال النظام لغاز السارين كسلاح كيماوي ضد شعبه.
وفرنسا عندما تقرع طبول الحرب فإن ذلك لا يعني أنهم شنوا هجوما ولكن المقصود انهم أصدروا الإعلان الاول الذي يؤكد على ضرورة التدخل الغربي من اجل حماية الناس من نظام يستعمل الاسلحة الكيماوية ضد شعبه.
وعلى الأرجح فإن فرنسا التقطت رسالة شبه متفق عليها بين الاطراف المتنازعة حول سوريا وهي عدم بقاء النظام الحالي وان الاختلاف هو على النظام البديل حيث يسعى كل طرف الى خلق القوة على الارض التي تمكنه من الامساك بزمام السلطة حال رحيل النظام، وعلى الارجح ايضا ان فرنسا ستقوم في سوريا بنفس الدور الذي قامت به في الازمة الليبية من اجل استبقاء سوريا منطقة نفوذ فرنسي فهي اولا وقبل ان ترث اميركا والاتحاد السوفيتي تركة سايكس بيكو الاولى كانت سوريا من حصة فرنسا. نحن نرجح تدخلا دوليا تقوده فرنسا تشن فيه الحرب على النظام السوري من الجو لكن ذلك وعلى ما نتوقع لن يكون قبل القضاء على من يعتبرهم الغرب متطرفين من بعض الفصائل المقاتلة في سوريا لكي تضمن الدول المتدخلة من يحل محل النظام السوري للعمل معها.