اليوم هو الثامن من أكتوبر وكان ذلك اليوم هو اليوم الثالث من حرب أكتوبر 1973 والتي بدأت قبل يومين أي في السادس من أكتوبر، وكونه القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية استلم السادات التقرير اليومي عن العمليات التي تمت حتى يوم السابع من اكتوبر. كان التقرير مشجعا وموحيا باهتزاز العدو على الجبهة وعدم قدرته حتى الآن على الحشد من أجل هجوم مضاد على الجبهة المصرية على الأقل، وكان العدو الصهيوني يرسل قواته دون قدر كاف من الحشد والتركيز – حسب ما جاء في كتاب محمد حسنين هيكل {أكتوبر 73 الحرب والسياسة} – وهو ما كان يؤدي إلى خسائر تسارع إيقاعها إلى درجة أحدثت ارتباكا شديدا في تحركات وأوضاع القوات الإسرائيلية.
كان الرئيس السادات حينها على اطلاع كامل بالتفصيل حول ما يجري على الجبهة المصرية والسورية، وكان من المفترض تطوير المرحلة الثانية من الهجوم المصري والتي تستهدف الوصول إلى المضايق في سيناء، إلا أن السادات طلب إلى وزير الحربية تأجيل التطوير لسببين، المهم منهما السبب الأول وهو أنه كان ينتظر رد هنري كيسنجر على رسالته التي أرسلها له بالأمس والتي تعهد له فيها بأن مصر لا تعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة، مما يعني أن مضمون الرسالة كان يتناقض مع الخطة الموضوعة للحرب، وكان يمكن قبول الرسالة لو كانت رسالة تمويه وخداع كما فعل الرئيس الأميركي “جونسون” قبيل حرب 1967، ولكنها كانت تعبر عن الحقيقة التي كان الرئيس الأسبق أنور السادات يسير عليها والتي بناء عليها تم وقف تطوير الهجوم المصري.
وبنظرة على الجانب الآخر في هذا اليوم وهو جانب العدو الصهيوني نرى التخبط العسكري وهو ما يتبدى في قرار عزل قائد الجبهة الجنوبية (سيناء) وتعيين بديل عنه في أثناء الحرب، وكان وزير الدفاع يتعرض لهجوم ونقد جارح في جميع المواقع ومراكز القيادات التي كان يزورها في ذلك اليوم، أما في واشنطن وهي الشريك الرئيسي للعدو الصهيوني في الحرب فنرى ذلك في قول نيكسون وهو الرئيس الأميركي في ذلك الوقت لوزير خارجيته اليهودي هنري كيسنجر “من الصعب أن أصدق أن المصريين والسوريين تحركوا على هذا النحو الضخم بغير علم السوفييت وربما بغير تشجيعهم”.
كل المؤشرات وفي المواقع المختلفة كانت تفيد نجاح الهجوم منذ بدايته وتخبط العدو الصهيوني وشركائه ومع ذلك نجد أن الرئيس المصري يطلب وقف تطوير الهجوم في موقف غريب عند الكثيرين مما أحدث نوعا من البلبة لدى قيادة القوات المصرية التي كانت على وشك الدخول في ذلك التطوير، ولا نريد وصف ذلك الموقف إلا أنه موقف غير طبيعي يوحي بنية مسبقة كانت لدى القيادة السياسية في مصر تختلف عن الخطة العسكرية التي كانت موضوعة وكانت القوات تسير على هداها، ودخول متغيرات على الخطة في المعارك كان كفيلا بإحداث تغييرات سلبية على موقف القوات المحاربة حينها وهو ما حدث بالفعل وأدى إلى بدء العمل على فتح ثغرة “الدفرسوار” من قبل العدو الصهيوني.
كانت تلك هي البداية لسلب حرب أكتوبر أهدافها من قبل السياسة، وهي الحرب التي خذلتها تلك السياسة، ولو لم يحدث ذلك (مع أن كلمة لو تفتح عمل الشيطان) ولكن نقول لو ان التأجيل لم يحدث وتطور الهجوم ووصلت القوات المصرية إلى المضايق كما كان مخططا من قبل، فكيف كانت الصورة ستكون بعد ذلك؟ هل ستجري محادثات الكيلو 101 قرب السويس بسبب حصار العدو للجيش المصري الثالث بعد نجاح الثغرة؟ وهل كانت القوات السورية ستتراجع بعد تركيز الهجوم الصهيوني عليها؟ وهل كنا سنصل إلى كامب ديفيد بعد ذلك؟ لم يكن كل ذلك سيحدث لأن الأحداث على الأرض ستكون حينها قد خلقت أوضاعا مختلفة تتطلب مواقف وقرارات مختلفة، ولكنها قرارات فردية تغير مسيرة أمة... والله أعلم.