العدد 2159
الجمعة 12 سبتمبر 2014
الكرامة ليست للبيع أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الجمعة 12 سبتمبر 2014

يرى الكثيرون أن كرامة الإنسان هي أعز ما يملك، وهي ليست قابلة للبيع أو المقايضة من قبل من يعرفها ويعي قيمتها، وهذا لا ينفي وجود الكثيرين ممن هم على استعداد للبيع، بيع كل شيء، ومن ذلك الكرامة، كونهم لا يملكون من الأساس شيئا من الكرامة الذاتية. الكرامة قد تكون الشيء الوحيد التي يمكن حمايته والدفاع عنه وعدم التفريط به مهما حدث، فالحرية الشخصية يمكن سلبها بالقوة ومنع الإنسان من ممارسة تلك الحرية والتمتع بها كغيره من البشر، بل حتى الحياة يمكن التعدي عليها وسلبها هي الأخرى رغما عن صاحبها، بالقوة أو بأسلوب مخابراتي، وهو الشائع حاليا، والجسد هو الآخر يمكن التعدي عليه كما يحدث في السجون والمعتقلات في الكثير من الأنظمة وعلى رأسها الأنظمة العربية التي تتفنن في تعذيب البشر وتقوم بذلك أحيانا نيابة عن الغير كما قرأنا كثيرا بعد غزو أفغانستان والعراق، أما الكرامة فمن الصعب سلبها لأنها ملك خاص لصاحبها وهي إحساس وتحمل صفة نفسية أكثر منها صفة مادية.
كلنا شاهدنا على التلفاز أفلاما لبعض من تم القبض عليهم مؤخرا في مصر – دون ذكر أسماء – رأيناهم يحلفون ويتبرأون مما فعلوه سابقا ويسيئون لأنفسهم ولمن كان معهم، وعلى النقيض من ذلك تابعنا محاكمة الرئيس صدام حسين لأشهر ورأينا كيف كان يحافظ على كرامته، ورأينا كيف ختم كل ذلك دون أن يعطي أعداءه الفرصة لإذلاله وسلب كرامته منه، فبالرغم من السجن والإعدام رأيناه محتفظا بكرامته التي لم يستطع أعداؤه الاقتراب منها.
كثيرون ممن يملكون القوة المادية يحاولون التفنن في توجيه الإهانات للغير في نوع من التعبير عن نقص ربما يعانون منه أو رفض لحوادث سابقة أحسوا من خلالها بالإهانة، لذلك يريدون التعويض عن ذلك بالانتقام من الغير – أي غير – لاسترداد كرامة مسلوبة سابقا، وهو ما يراه علماء النفس عند أولئك الذين يمارسون التعذيب الجسدي والنفسي للآخرين، فهم يرون أن أولئك الذين يمارسون تعذيب الغير مصابون بنوع من العقد النفسية، كما هو حال ممارسي الجريمة عند علماء القانون أو علماء الاجتماع.
من أجل هذه الصفة او الإحساس المسمى “كرامة الإنسان” يمكن أن يترك الإنسان مصدر رزقه ولا يتنازل عن كرامته، ولكنه لا يستطيع من اجل أي من ذلك التخلي عن الإحساس بأن كرامته لم تسلب ولم تهتز أو حتى تمس، لأنه بذلك يشعر بذاته وقوته امام الحواجز النفسية التي يمكن أن يضعها الغير أمامه، وبذلك يستطيع أن يبقي رأسه مرفوعة لا تنزل ويستطيع أن يقارع الآخرين دون إحساس بالدونية أو الفوارق التي يفرشونها في طريقه.
في اعتقادي انه لا يستطيع فهم ذلك الإحساس إلا من قبل من يملكه، أي يملك كرامته ولم يقدمها للغير أو يطأطئ الرأس لهم، ولم يقبض ثمن بيعه لكرامته مهما علا ذلك الثمن، مع أن هناك من هو على استعداد للبيع بالرخيص كما يقال، لأن الكرامة كالشرف، ما إن تذهب فإنها لا تعود مرة أخرى، كما قال يوسف وهبي في أحد أفلامه.
حين انطلقت الثورة في سوريا مؤخرا كانت ترفع شعار الكرامة قبل أي شيء فقد أراد الشعب العربي في سوريا المحافظة على كرامته التي شعر بأن النظام هناك يعتدي عليها.
وفي الانتخابات القادمة عندنا يمكن ان نجد سوقا رائجة للبيع والشراء عند المستعدين للبيع والقادرين على الشراء، مع أننا لا نريد ذلك ولا ندعوا له ونأمل ألا يحدث، ولكنه حدث في السابق وقد يتكرر مرة أخرى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية