العدد 2152
الجمعة 05 سبتمبر 2014
لقاء الصدفة ومصر الجديدة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الجمعة 05 سبتمبر 2014



قد تكون الصدفة خيرا من ألف ميعاد كما يقال وهي التي جمعتني مؤخرا في القاهرة بأحد الدبلوماسيين العراقيين القدامى حيث يعيش حاليا في مصر وهو الذي كان آخر سفير يعين في البحرين من قبل العراق قبل الغزو الأميركي الأوروبي لعراق العروبة وتغير كل شيء في ذلك البلد العربي، فقد كنت في زيارة خاصة لأحد الكتاب في مصر العروبة ممن عملوا في السياسة الرسمية في فترة حكم الزعيم عبدالناصر، وهي الزيارة التي أرجأتها كثيرا وأنا في مصر بسبب تضارب المواعيد وقلة الوقت، ولكن يوم الثلاثاء الماضي ذهبت دون اتصال مسبق لزيارة ذلك الصديق في مصر وصادف أن كان معه ذلك الدبلوماسي العراقي في زيارة مماثلة، وهي الفرصة التي فتحت حوارا ثقافيا بيننا ومن مواقع مختلفة في الوطن العربي (وليس العالم العربي) لأن صديقنا من مصر يرفض تسمية العالم العربي ويراه وطنا وليس عالما فالعالم من وجهة نظره يضم المتباينين، أما الوطن فيضم من يفترض فيهم التجانس.
ما إن تلتقي مجموعة من حاملي الثقافة العربية في أي مكان حتى يكون محور الحديث بعيدا عن النفس الإقليمي إلا في ما ندر وحين يكون ذلك لخدمة الرؤية القومية الواحدة لهذا الوطن العربي، وهو ما كان في ذلك اللقاء عندما دار الحديث عن الوضع في العراق والبحرين ومعها مصر الحالية وليس مصر التي كانت في الأمس القريب، وكان ما دار في الحديث هو ما له علاقة أو تأثير على الوضع العربي، ومن خلال أمور يمكن أن تكون صغيرة حسب الرؤى المختلفة، تطور الحديث إلى أن ما يحدث وما يمكن أن نصل إليه سببه في الأساس انعدام أو غياب المشروع العربي الواحد بعد غياب عبدالناصر الذي حمل ذلك المشروع يوما ما، ولكن هذا المشروع العربي تم وقفه ومحاربته بعد غياب صاحبه عن الدنيا مما سمح بتفتت الأمة وحدوث ما نراه في المنطقة العربية التي يقاتل أبناؤها بعضهم البعض ومفتوحة بالكامل لأعدائها وهو ما تحدثنا عنه في مقالات سابقة، مع أن الحقيقة غير القابلة للجدل أن هذا المشروع موجود فعلا وكامن في الفكر والمخزون الثقافي الشعبي الإنساني العربي ولكنه غائب حتى الآن عن السياسة العربية.
قد يكون الجانب المهم في الحديث هو أنه كان متسما بالتفاؤل من أننا يمكن أن نكون أو أننا في بداية المشروع العربي الجديد خصوصا في مصر العروبة المقدر لها دائما أن تكون دائما في المقدمة لتقود أمتها في أي تحرك أو توجه عربي واحد، وبعد أن أزاحت بالإرادة الشعبية وليس بالانقلاب العسكري جماعة الإخوان عن الطريق بما كانوا عليه من مشروع بعيد عن الأمة العربية الواحدة، وكانت هذه رؤية صديقنا من مصر رغم كونه واحدا من المعارضين وبشدة لنظام السادات وكل من أتى بعده حتى محمد مرسي ومع أنه سجن كثيرا وحورب في معيشته أكثر ومع ذلك لم يهادن طوال تلك الفترة، إلا أنني أراه الآن مختلفا عما رأيته طوال السنوات الماضية.
لقد تعودنا بصورة دائمة على أن طبقة المثقفين في مصر كانت على رأس المعارضة طوال أكثر من أربعة عقود من الزمن وحتى سقوط محمد مرسي العام الماضي ويذكر الجميع موقف هذه الطبقة بعد ما سمي الانفتاح الاقتصادي في مصر عام 1975 الذي مثل كارثة على الاقتصاد في مصر ومازالت تعاني منها، ثم بدء العلاقة مع الكيان الصهيوني وما صاحبها من صراع بين النظام والمثقفين، وتكلل ذلك بقيام السادات بإلقاء رموز هذه الطبقة في السجن دون تهمة في سبتمبر من عام 1981 أي قبل اغتياله بأيام، وجميعنا نعرف كيف عارضت هذه الطبقة الوطنية نظام حسني مبارك ولم يكن معه غير أصحاب المصالح من الباعة الجائلين، ولم تصمت هذه الطبقة أيام المجلس العسكري بعد ثورة 25 يناير، ثم ازداد نشاطها فترة حكم محمد مرسي والإخوان المسلمين، ولكننا اليوم نرى الكثير من ممثلي هذه الطبقة متفائلين، ولكنها - أي طبقة المثقفين - ترصد وتتابع كل ما يجري، ومن هنا يمكن رؤية وتحسس مؤشر مصر الجديدة من خلال عيون هذه الطبقة التي نأمل ألا تغير رأيها في المسيرة الجديدة... والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية